حوار مع مجلة الإسلام اليوم

16 June 2008 | 2 تعليقات

** حدثنا عن النشأة في مدينة أبها.. وكيف كان تأثيرها على اختياراتك المستقبلية؟
- ولدت في قرية من قرى قبيلة بني الأحمر الواقعة على جبال السراة الواقعة بين أبها والطائف، ثم انتقلت جنوبا إلى مدينة أبها وأنا في الفصل الدراسي الخامس الإبتدائي، وأكملت الإبتدائية في المدرسة الرحمانية، ثم درست المتوسطة والثانوية في المعهد العلمي بأبها، وكان لا يدخله إلا المتفوقون بامتحان قبول أمام لجنة من مدرسيه. كان والدي رحمه الله جادا في مراقبة تعليمنا (أنا وأخي أصغر مني)، ويتأكد يوميا من جلوسنا على كتبنا واتمام الواجبات المدرسية، وقد كانت له كتب قليلة جدا في ما كنا نسميه “قترة” وهو رف داخل الجدار المبني بالحجر، ولما كان يلزمنا بالبقاء على الكتب في المجلس زمنا زائدا عن وقت الواجبات فكان لا بد من مهرب من الكتب المقررة لسواها، ولهذا فقد بدأت أقرأ كتبه الصعبة في السنة الرابعة الإبتدائية، وكانت كتبا في المواعظ ورسائل فقهية في موضوعات تهم الناس في القرى من مثل نكاح الشغار، وكان بعضه منتشرا في القرى بسبب الزراعة وحاجاتها، فيتبادل أبوان أو أخوان زواج أخواتهما دون مهر محدد. وكانت لديه بعض معرفة بأحكام الفرائض؛ فيساعد الناس على قسمة المواريث. وبدأت أقرأ مجلة العربي في تلك المرحلة حيث كانت تأتي بها لي أختي الكبرى من أبها.

** صف لنا المناخ العام في مدينة أبها أثناء سنيك الباكرة. وبخاصة الجانب الدعوي والعلمي.. ومن كان هناك من العلماء المشهورين.
- في القرية كان هناك وعاظ وبعض مشائخ كنا نخافهم ونهرب منهم، لأنهم كانوا يمتحنون معارفنا، وبعضهم أصدقاء أو أقارب لوالدي، فكان والدي يقارننا بأولادهم الذين يقرأون ونحن لا نحسن القراءة، ولما انتقلنا لمدينة أبها كان الشيخ المشهور عبيد الله الأفغاني (حفظه الله) يلقي دروسا في وسط المدينة ولم نكن بعيدين في السكن، وعرض والدي عرضا غير ملزم أن أدرس عنده فأبيت وكان مما تبادر لذهني خوف من لحيته الطويلة وعصاه، أو أن يقيد حريتي في وقت العصر، وكانت الدراسة لدى أبي هي كل شيء. وقد درست عنده لاحقا لما كنت في المرحلة الجامعية، وسبق ذلك بأن درسّنا هو رسميا في المعهد بعد بضع سنوات؛ وفي السنة الأولى الثانوية قدمت مع عائض القرني –الشيخ المشهور الآن وكان في السنة الثالة المتوسط أي بعدي بعام- محاضرة في الفسحة المدرسية تحدثت فيها عن الأخطار المحيطة بالمسلمين متأثرا ببعض الكتب المشهورة آن ذاك مثل كتب محمد محمد حسين، ويوسف العظم وآل قطب. وقد أثارت علي تلك المحاضرة عاصفة اعترض عليها الشيخ يحي معافى وكان عالما جليلا رحمه الله، وأستاذ الأدب الأديب عبد الخالق الحفظي، (الآن هو مدير التعليم برجال ألمع) واعترض الشيخ الأفغاني فلما دخل الفصل قال لي: “يا محمد لا تقرأ الكتب العسرية” وكان لا ينطق الصاد بحكم العجمة أي “لا تقرأ الكتب العصرية” لما رأى من أثرها في المحاضرة، ثم فتحت المحاضرة باب نزاع بين الشيخ يحي والدكتور عبد الله المصلح وكان بعيدا ولكن وصل الخبر. وسمعت أنهما تنازعا أثر ذلك، فاشتد الدكتور المصلح عليه فدعا عليه، ثم صالحه وأخبرني الدكتور بشيئ من خبر ذلك لا حقا وما كنت عرفت.
وقد كان الأساتذة في المعهد على مستوى علمي عال، فكان الشيخ يحي معافى تلميذ حافظ الحكمي، والذي لم يدرسنا إلا في المرحلة الثانوية عالما حقا، ومبدعا ومتحررا من القيود متقدما على معاصريه، يدرس اللغة وعلوم الشريعة بتمكن نادر، ناقدا للكتب لا أنسى أنه أول ما دخل علينا يشرح كتاب: “زاد المستقنع في اختصار المقنع” قال: “هذا كتاب لم يبارك الله فيه” ثم ذكر عيوب المتون المختصرة، بسبب غياب الأدلة والحجج عنها فكان يغنينا بالتفصيل والأدلة واللغة، وفوق ذلك عقل ناقد يختار الأقوال بوعي، ويطلب منا شراء كتب أخرى للمواد نفسها.
وكان في المعهد نفسه عدد من الأساتذة المتميزين: أربعة منهم من آل الحفظي درسني منهم: علي وعلي ومحمد وعبد الخالق و آخرون متميزون من مثل إبراهيم سير، وعلي مهدي وعلي غاصب والهويمل ورزق، وأفاضل آخرون يصعب عدّهم.
وقد بدأت الاهتمام بالقراءة مبكرا، فكان لنا أستاذ سوداني في الابتدائية شجعنا كثيرا على القراءة وهو الأستاذ محجوب محمد الخير، فلم أكمل الابتدائية إلا ولي مكتبة صغيرة غالبها من الأدب والشعر، وأذكر مرة أني ذهبت للطاحون ودفعت له مبلغا وبقي قليل من القروش في جيبي فذهبت لمكتبة مجاورة للطاحون اسمها مكتبة الإيمان النموذجية فطلبت مجلة الشهاب اللبنانية، ولم تكن القروش كافية فكان الشيخ سعيد بن مسفر جالسا في المكتبة فسمع كلام البائع فدفع الفرق وأعطاني عددا سابقا وشكرني على طلب تلك المجلة وشجعني بما وسعه، فشكرته ولكن ذلك لم يكسر المهابة والرغبة في البعد من المشايخ إلا بعد زمن.
وكنت في المرحلة المتوسطة أقرأ ما أجد وخاصة من الشعر والأدب، فقرأت كتاب جواهر الأدب في السنة الأولى المتوسطة، وحفظت أشعارا كثيرة، لم يزل بعضها عالقا بالذهن، ودواوين كديوان إمرئ القيس، وبعض القصائد كنت أحفظها ولا أعرف كثيرا من معانيها؛ مثل قصيدة:
لمن طلل بين الجدية والجبل محل قديم العهد طالت به الطول
عفا غير مرتاد ومر كسرحوب بمنقطع طام تنكر واضمحل
وفيه القطا والبوم وابن حبوكل وطير القطاطي واليلندد والحجل
غير أن اللغة والشعر فتقت اللسان والعقل ووسعت المدارك، ومرت سنين قبل أن أعرف بالدور الكبير لتعليم اللغة الواسعة الغنية في توسعة الذهن واعداده لتقبل الفكر، فمن ضعفت لغته قل استيعابه وربما كلّ فكره وعقله.
وكان من الوعاظ المشهورين في المنطقة سليمان بن فايع، ومحمد بن شايع، وسعيد بن مسفر، والبيحاني، وبعض الأساتذة الحركيين من سوريا وفلسطين.وزارنا مبكرا على الطنطاوي والزنداني وكان مثار إعجاب بقوله ومظهره حتى أذكر أن أحد الأساتذة قال بعد عودتنا للفصل: “لو قيل لي أي المسلمين يصلح خليفة للمسلمين لقلت هذا”.

** كيف تعرفت على الفكر الإسلامي؟ وكيف وجدت طريقك إلى التيار الإسلامي؟
- بداية اهتمامي بالكتب والأفكار كانت مبكرة، وتعرفت على بعض اليساريين، وكانوا يزودوننا بمنشورات مكتوبة على ورق الكربون الأزرق، وعلى قصائد ناقدة للأوضاع، ولم انتظم معهم، وكانت الرغبة في القراءة أو التميز الدراسي سببا لاهتمام الاسلاميين بي، فأهدى لي زميل مجلة المجتمع الكويتية، ثم واضب على التعرف والزيارة وبعد بضع دروس عرّفني على أستاذ صادق جادّ كان له أثر جيد، وعنده تعرفت على كتب الإسلاميين، وكانت لي مكتبة أخرى واهتمامات أدبية أخفيتها عن زملائي المتشددين دهرا، بالرغم من أنهم لما أثّروا علي تخلصت من دفتر كامل كان مليئا بشعر الغزل، ثم ثبت لي مبكرا فشل الشاعر فيّ.

** هل كان الدخول إلى جامعة الإمام امتداداً طبيعياً لأفكارك أم كان لديك وقتها الرغبة في جامعات أخرى؟
- كانت الرغبة الوحيدة في نوع التعليم الذي أرغبه بعد الثانوية “غير مناسبة” ونصحني أحد زملائي بصرف النظر عن تلك الفكرة، وكانت نصيحته موفقة وأشكره، المهم اخترت واشاروا علي بقسم التاريخ بلا تخطيط مني وكانت أقرب رغبة لي في قسم اللغة العربية، ثم تركتها، وكانت لدي ثقة أن دراسة الشريعة واللغة سأقوم بها بنفسي دون أن أدرسها نظاميا، وقد أخذت المركز الأول في مسابقة في اللغة العربية على طلاب اللغة في عامي الثاني في قسم التاريخ، وفي الشريعة كانت مواد المعهد غنية جدا وقوية في اللغة والشريعة، وكان من حسن الحظ أن أستاذين من أهم أساتذة التاريخ القديم درّسانا في السنة الأولى في الجامعة كزائرين –بسبب ندرة المتخصصين- وهما رشيد الناضوري ومحمد بيومي مهران، وكان يقال أن مهران يحفظ القرآن والبخاري ومسلم والتوراة والإنجيل، وكانت محاضراته طريفة لا تخلو من غرابة، سلوكا وفكرا، أما رشيد فأسنّ منه وكان مندوبا لمصر فترة في الأمم المتحدة أو إحدى هيآتها، يعرف لغات كثيرة وكان ملما بقضايا التاريخ القديم، درسه ممتع، لا يقل عن درس الدكتور فاروق القاضي، ودرسنا الدكتور زكريا سليمان، كان يعاملنا كإخوة، وله كتابان مهمّان عن تاريخ مصر الحديثة أحدهما عن الحزب الوطني والآخر عن الإخوان المسلمين. ودرّسنا عالم جليل خلوق هو محمد عبد الفتاح عليان، الذي كتب كتابا مهما عن القرامطة وعن العباسيين والراشدين.
لم يكن اختياري للتاريخ إلا لأنه مادة لم أكن أرغبها فرأيت أن استفيد مما لا أحب، لأنني قادر على إجادة ما أحب بنفسي دون دراسة منهجية أو هكذا بدا لي الأمر آنذاك.

** جامعة الإمام وقتها هل كانت هي الملاذ الأول والأخير بالنسبة للطلاب الملتزمين؟
- في المدن البعيدة ليس الأمر كذلك فقد كان التدين أكثر بين طلاب التخصصات العلمية كالتربية والعلوم والطب والهندسة، وكنا نفرح بعودتهم لأبها في الصيف من جامعة الرياض وجامعة البترول، ومن المؤثرين عليّ في المرحلة الثانوية من كانوا طلابا في الرياضيات ثم في الطب وغيرهم، وكان والدي يستغرب صداقتي لطلاب كبار في السن وأعلى في مراحل الدراسة.

** كان لافتاً اتجاهك لدراسة التاريخ على الرغم من تفوقك الملحوظ في كامل سنوات دراستك ..هل رأيت فيه مجالاً يتماشى مع مزاجك وأفكارك حول مستقبلك المهني والأكاديمي؟
- كما ذكرت لم تكن دراسة التاريخ رغبة واضحة، وفي زماننا لم يكن الاهتمام بالعمل بعد الجامعة مشكلة، فالجميع كان يجد العمل الذي يود، وأذكر أن كلية الطيران كانت تأتي بوفد لطلاب المرحلة الثانوية ترغب في أن يواصلوا فيها، ويأخذون بعضنا بطائرة عمودية، ويستضيفوننا يوما كاملا في القاعدة العسكرية وفي مواقع الرادار ترغيبا في الوظائف العسكرية.
ولكن لم تكن لي رغبة في غير المعارف الأدبية، فقد كانت الكتب تملأ حياتي؛ حتى إن والدي رحمه الله قال لي: -وكنا نسكن بيتا صغيرا- “أظنكم ستدخلون الكتب البيت وتخرجوننا منه!”

** دراستك للتاريخ كيف أفادتك في رؤاك الاستشرافية للمستقبل؟
- للأسف لست منكبا على التاريخ ولا المستقبليات كما يوحي سؤالك، بل كان اهتمامي بغيره كبيرا، وبخاصة الفكر والفلسفة والأدب، وكتب الإسلاميين، لقد أفادني التاريخ كثيرا، وبخاصة أني كنت محظوظا في مرحلة الماجستير بعلماء أقوياء، أحدهم كتب موسوعة مهمة للثورة الفرنسية، ودرست الثورة الروسية على يد أحد تلاميذ كرينسكي، الذي أخذ الحكم قبل انجاز الثورة الشيوعية، ودرست الإمبريالية والاستعمار بما فتح عيني على ما لم أكن أتخيله، ولهذا فإن الفكر الغربي اليوم فيما يتعلق بموضوع التأريخ الأوربي يتعرض لمراجعات شمولية لأن شخصيات اليسار صاغت التاريخ الغربي صياغة مضادة لمصالح الغرب الاستعماري وبخاصة في أمريكا، وأقسام التاريخ مالت لليسار، ولأن أمريكا اتجهت ان تكون دولة استعمارية تجدد عهد أي مستعمر سابق كبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وهولندا، فهي بحاجة لثقافة تبرير استعباد الشعوب مرة أخرى. ومن هنا جاءت صيحات تجديد الفكر، وموجة الإستعماريين الاشتراوسيين “مدرسة شتراوس” ما هي إلا مثال.
وقد أفادتني دراسة التاريخ أن أعرف أين تكون بعض قيمته، وأين تكمن بعض أوهامه، وأن من يجادل به يكون غالبا مسوقا بجهل التاريخ لا بمعرفته، ومن أحسن ما عرفت عنه المدارس التي تعتبره وتلك التي تسقطه، وأن مدارس اعتبار التاريخ أو إهماله فلسفية وليست تاريخية. وما عمل كثير من المؤرخين وعلماء الدين والأدباء وعلوم الإجتماع إلا خدمة لذوي الأفكار. ومن الغريب أنك تقرأ لأناس يحقرون المفكرين والفلاسفة وهم لا يدركون أن السبب أن المفكرين يستخدمون كل هؤلاء كأدوات، وكلما استطاع المفكر أو الفيلسوف أن يخفي مواد بنائه كان أسلم له، ولكنه يصبح معقد الأسلوب، ولهذا يعمد بعض هؤلاء إلى خلط المواد، وإرباك المستمعين أو القرّاء، ليصل لما يريد بعد معاناة الطريق الملتوي.
أما التاريخ فقيمته عندي قيمة مستقبلية وهو كذلك عند نابهي المؤرخين والمفكرين وهكذا يستخدمه السياسيون الآن في العالم، وقد كنت عنونت كتابي بـ: “تاريخ المستقبل” ولما منع غيرت العنوان، واحتلت على مكان النشر وسميته بـ: “ملامح المستقبل”.

** ما الطريقة الصحيحة التي ينبغي علينا أن نقرأ بها التاريخ أو ندرسه؟
- لعل هذا السؤال مما لا يمكن الجواب عنه في مثل هذا الحيز، ولكن أشير إلى أن من المهم أن يعرف المؤرخ وقارئ التاريخ أن ليس هناك تاريخ بعيد عن السياسة ولا الدين ولا الفلسفة، ولا نقد الرجال الذين أرخوا، ولا الأدب، وإنما يؤتى المؤرخ أو المثقف أو الشيخ من ضيق أفقه أو ضعف ثقافته وجزئيتها، أو تحيزه.
كما أن العقيدة لازمة التاريخ، فمن توهم أنه يعرف العقيدة بعيدا عن التاريخ السياسي والاجتماعي وتوهم أن معرفته بصراع المدارس المذهبية في الإلهيات هي عمل كاف لمعرفة العقيدة فهو واهم، ولك أن تتصور دارسا للعقائد ولتوجه الحركات الليبرالية والإسلامية الجهادية والسلفية والجبرية المعاصرة بأدوات بعض الجامعات المحلية دون إدراك لدور السياسة! نه حقا لن يصل لكثير من الحقيقة لأنها في زاوية هناك مع محضورات السياسة.

** ماذا أضاف لك (علمياً) تواجدك في أمريكا كل هذه السنوات؟
- أضاف لي الكثير مما أعرف وما لا أذكر، وبلا شك أن لكل معرفة ثمن تؤديه من الروح البدن، فكلما تعرض الإنسان للمعرفة أفاد وتضرر، وقد نصح أبو حنيفة في وصيته المشهورة تلميذه بأن يستقر في مدينة ولا يذهب لقرية، ونصح أحد المعاصرين آخر قائلا: “أسكن حيث يصنع التاريخ” وقد رأيت ذلك بعض الزمن، وكنت حريصا على تتبع بعض الأحداث الكبار، حتى ذهبت لألمانيا عند سقوط جدار برلين، وكانت متعة شهود عالم يسقط وآخر يقوم، وتلك متعة الشهود.

- * هل تعتقد أنك لم تجد التقدير الكافي في السعودية؟
- لقد وجدت من التقدير والاحتفاء الكثير، وتعرفت على كثيرين أعتز بصداقتهم ومرؤتهم، ورأيت في نجد خاصة صفوة رجال أكبر مما كنت أتوقع، فيهم صفاء، وصدق وتقدير، وثقافة ونجابة، وقد أحرجت عندما يتوافد على مكتبي وبيتي كبار المثقفين لا لعلاقة العمل ولكن ليناقش أمرا يختلف معي فيه، ثم يخرج مصرا على رأيه، أو متنازلا عنه، أو يغير موقفي، أو يعتاد لقاء أسبوعيا ولا يتوقع أحدنا من الآخر اتفاقا، ولكن التقدير والاحترام لم يبرح نفوسا ولا لقاءاتنا ولمجتمع المثقفين كأي مجتمع حثالته، وغالب هؤلاء أصحاب عقد نفسية لا حجج علمية.

** أنت كثير التنقل (ولا أقول التحول) بخلاف مجاييلك من المفكرين السعوديين الذين لا يخرجون إلى الخارج إلاّ في إطار (الترفيه)..لماذا هذه التنقلات؟ وكيف ترى أثرها عليك؟
- عندما قرأت رواية: “رأيت رام الله” لمريد البرغوثي أشار فيها إلا أنه سكن أكثر من ثلاثين مسكنا لكثرة تنقله، فوضعت الرواية جانبا وبدأت أعد البيوت التي سكنتها والفنادق التي قضيت فيها أكثر من ثلاثة أشهر مستمرة فبلغت إلى الآن نحو خمسين مسكنا، قبل بلوغ الخمسين في ثلاث قارات.
أثر السفر مفيد ولكنه في مثل حالتي مزعج، ولم يصبر على صحبتي في كل هذه الأسفار إلا الكتب وقليل من الأصدقاء، حتى بلغ من هوسي بالكتب في مرحلة الجامعة أن كنت يوما أسوق السيارة وأنا أقرأ ديوان شعر! أما ما عدا ذاك فيذهب ويجيء، ومن ذلك المال والأفكار.

** كيف تقارن بين التغيرات التي وجدتها في السعودية بعد عودتك من أمريكا والوضع الذي تركته أخيراً؟
- المدة ليست طويلة بين القدوم والخروج حتى يستطيع الإنسان أن يتحدث عن مجتمع وتحولاته بهذه السرعة، غير أن مظاهر التخلص من طرائق التدين السابقة كانت واضحة، ولاحظت كثرة المثقفين بل هناك من تستطيع أن تسميهم “مفكّرين” غير أن طبيعة المجتمع النجدي محافظة و وقورة، وهادئة، وكثير منهم يتجنبون الادعاء والتظاهر، وقليلون منهم أصحاب التكبر والتنفج لأن هذه سمة ملازمة للضعف لا للنجابة. وهناك قلة ضعيفة الثقافة كثيرة الإزعاج، يجب أن يصبر عليها، لأنها كما قال أحد النقاد وقد ذكروا عنده عيوب المتنبي فقال ذلك من دخان النار، ولكل نار دخانها. ونتاج المثقفين ومثاقفتهم لأنفسهم ولغيرهم أقل من مستواهم، ومما يجب أن يقدموه، ولهم أسبابهم وعمق وفوائد في تجنب التفاعل وفي الصمت، وهو ما فهمته من قبل وصولي ولكن لم أستطع التنجد، وبقي صوت الحجازي عاليا كجباله ولعله هرب قبل أن يفقد صوته.
كما لاحظت النمو السكاني في الرياض بشكل سريع ومخيف حتى لتكاد تصبح على نمط مدن اليونان القديمة المسماة: “المدينة الدولة”، وليس بسبب المواليد فقط بل بسبب جلاء الناس من القرى والمناطق البعيدة إليها، حيث لا تتوفر الخدمات ولا الأعمال، بسبب الإمعان في مركزية كل شيء في مدينة واحدة، ورأيت قرانا في الحجاز وهي تندثر سكانيا، وتغلق فيها المدارس، وتصبح موحشة إلا في الصيف حين تزدحم بالعائدين إليها والمصيفين.

** ما هي حدود التغيرات التي تطلبها للمجتمع السعودي؟ وهل هناك خطوط حمراء بالنسبة للحدود التي تطلبها؟
- لا أعرف أين تريد وضع الخطوط الحمراء، ومن يضعها، غير أن الجمود السياسي وعدم تطوير صلاحيات المؤسسات المدنية مثل مجالس الشورى، ومثل المجالس البلدية، وتدهور مؤسسات وحقوق الإنسان، وغياب العدل، وانتشار مفاهيم كنيسة وافدة من عصور الظلام الأوربي إذ تملّك السلطان الدين والدنيا والآخرة، وهذا أمر مخيف، وفساد عريض، ودلالة تراجع مريع، ففي الوقت الذي تقتنى فيه أحدث تقنيات العصر تتراجع مجتمعاتنا لعصر ما قبل العربة، ونوغل اجتماعيا وسياسيا في التخلف والنكد والتبعية للغزاة، ففي الوقت الذي نتزين بكل زينات العصر الظاهرة، ونستخدم آلاته، نجد عقولنا مهاجرة، أو مباعة أو سجينة أوهام وقيود وسجون، وهذه شروط لا تحقق إلا هوان الحكومات والمجتمعات، وتسليمها للطغاة الصهاينة رخيصة مهينة واهية.

** هل توافق على توصيف المجتمع السعودي بأنه شديد الاختلاف (داخلياً)، في حين أنه يبدو كمجتمع أحادي ظاهرياً؟
- النفاق عادة رفيق للتشدد الديني والسياسي، فالمرء يريد دائما أن ينسجم مع مجتمعه ولو لم يكن مؤيدا لما يسوده من مفاهيم، فيلبس لباسا يواري حقيقته، ويحتال على المجتمع ليقبله، ويتظاهر بغير حقيقته، والاختلاف المكشوف المتعارف والعارف بما يجمع من مصالح ومصير هو إيجابي وليس سلبيا.
غير أن ظاهرة التظاهر –إن لم أقل النفاق- كانت حقيقة مشهورة للقريب والبعيد، ولهذا كانت استراتيجية الأمريكان مع المجتمع السعودي الذي سموه بـ “الثقب الأسود” هو فتحه واختراقه من الداخل والخارج، وقد أجدت هذه السياسة إلى حد كبير، وتمكنوا من استخدام ثروته ضده في عدة ميادين، وحرصوا على تغييب حقوقه، مع إشاعة مقدار من التفرق والفسق والشحناء وفقدان الثقة من الجميع بالجميع، وفتح باب الهجاء المتبادل، وأظهروا أوجه الولاء المتنافرة.

** التحولات في السعودية كيف تنظر إليها؟ وما هي توقعاتك في شأن ما ستفرزه مستقبلاً هذه التحولات؟
هناك تراجع مشهود في قدرة الناس على الإمساك بتحقيق مصيرهم وتحديد توجهاتهم، وتوجه بلادهم، وتتحول سريعا القرارات لإعطاء الآخرين تقدير وتقرير ذلك، وبالرغم من تهاوي قوى الاحتلال وضعفها ولكن الضحايا يصرون على تسييدها وتقديسها والذوبان في إرادتها، وهذا قريب من قصة الشقاء في خدمة ميت بسبب ما كان: “فلما خرّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين” ولأن المستغلين لا يرون في جانبنا أي حيوية سياسية ولا رغبة في المشاركة في تحديد توجهنا وقد اطمأنوا أننا لا نريد إلا الاتكال عليهم في تدبير أنفسنا، هذه الحال توحي بمزيد من الاستنكار مستقبلا، كما أن فرحة البعض بتحقيق التفسخ في المجتمع قد لا تطول فإفساد المجتمع أخلاقيا قد تصنع منه حالة انتقام، وعدم ثقة، وخوفٍ أو شكٍ في من يتولى توجيهه ويفترض أن يرعى مصالحه.
الوضع الاقتصادي في المنظور القريب مبشر، ولكن ماذا بعد؟ أين الإسراع في بناء بنية تحتية سريعة تغتنم غنائم النفط، أين الجامعات القوية والمصانع والطرق، أين الاستثمار طويل المدى، أين المهارات، أين ضمانات السيطرة الأمينة على الموارد، أين الأمن السياسي والمالي!
إن عدم مشاركة الناس في صناعة مستقبلهم يعني أن يوكل ذلك لقوى متربصة في الخارج، وبأجندات عدائية، إن ضعف السياسة المحلية يضعف قدرات الناس على معرفة أنفسهم وكلال قدرتهم على انتاج حلول. إننا نتمنى الخير ونتوقعه، ولكن من السذاجة قول ذلك دون رؤية توجه وعمل يؤدي إليه. كنت كثير التفاؤل بأن تتقدم المشاركة العامة، والألفة وأن يتحقق تقدم سياسي، ولكن تشهد المنطقة عموما تراجعا وانطواء وغبشا وخوفا من القريب والبعيد واستعادة للثقافة العشائرية تجعل الخوف وانعدام الثقة شعار الجميع ضد الجميع! لعل ذلك بسبب نشر اليأٍس وقلة الجدوى، وانتهاء الآمال الطويلة، وثقافة الشك في الثقافة المستقبلية، وأساس المصائب لأي أمة غياب الأفكار التي تنير الروح وطرق العمل وتبث الأمل، هناك مفسدون مثقفون يعرفون ان الأفكار مصدر انبثاق حضاري فيصرون على تجريد المجتمع العربي والمسلم منها وابقاء الجوانب الحيوانية هي المتحكمة ليتمكنوا من العقول والقلوب والأبدان وليسوقوا رعاعا بلا فكرة.
الشيء الجدير بالذكر أنه يتحقق بلا وعي نمط تدين وتثقيف جديد يمتد بلا وعي وبنعومة في ثقافة المجتمع القديمة وطريقة تدينه، بسبب الثراء والاستقرار، تدين ناعم رقيق أو خلوق (أو مجامل) وسلبي، مستنكر للطابع القديم، يطمح للتجديد وللإصلاح بخجل، لم يبن أفكاره بعد، ولكنه ناتج من سلوك التمدن لا من فكرة مسبقة.

** برأيك هل يمكن أن تشكل السلفية وعاء لكل التيارات الإسلامية الأخرى؟ وماذا عن حالة السلفية في السعودية بشكل خاص؟ هل هي قادرة على ذلك؟
- الإشكال في السؤال هو المسمى، وما هي السلفية؟ ولكن حتى لا نذهب بعيدا فنحن نتحدث عن ما يسمى السلفية كما هي الآن، وهي لا يمكن أن تستوعب غيرها، فهي ضيقة العطن، قاصرة عن حل لمشكلات العصر، وتحديات المجتمع، تثير العداء والخلافات التاريخية والمتجددة دون وضع حل لشيء، بل نقد وتشهير وتفجير وتفسيق كرقابة مدرس منزعج غضبان دائما قاصر الخيال مقهورا فيوزع المحبة والثقة لغير أهلها ممن يخدعه ويستسذجه، ويهوي بالشتائم على الذكي والحيوي والعبقري لأنه يعكر جموده. والأمل في حركة تجديد تتجاوز قصة السلفية ومجتمع السعودية إلى تجديد أبعد وأشمل، أما التلفيق الجزئي فمصيره الإفلاس محليا وعالميا.

** ماذا ينقص السلفيين في السعودية من وجهة نظرك؟ هل هم مثلاً في حاجة إلى حركة تصحيحية؟
- ينقصها توصيفك لها، فالدين أوسع من أن يصر أحد فيه على طبعة محلية، وفي حال البحث والإصرار فقد يتم ذلك، ولكن شرط وجود سلفية سعودية الانقطاع عن الإسلام كما هو، وعن السلفية المشتهرة، وهناك أمم حققت مفهوما ضيقا خاصا للدين، فاحتوت الدولة دينها، وبادلها الولاء هو كما في الحالة الألمانية مع البروتستانت، وجزئيا مع التشيع في إيران، ولكن هذا عمل كبير بعيد، وقد لا يقبل ولا يجدي، وبعض الخصوصية وهم يروجه من يجهله أو يستغله.

** هل يملك الإسلاميون في السعودية أدوات تطويرية مناسبة لإحداث نقلة في مسارهم خلال المراحل المقبلة؟
- البقايا القديمة والتوجهات العريقة تقوم بدور الصيانة لإبقاء القديم كما هو، مع تصليحات وديكور شكلي لا يذهب بعيدا، والمؤسسات القائمة أغلبها تحرص على الدور نفسه، ولكن الحاجة هي إلى أفكار شجاعة تعيد الحياة للمؤسسات القائمة وتنتج مؤسساتها، هناك حاجة لاجتهاد، وحلول عملية مطبقة في أماكن أخرى وناجحة فالمثال دائما خلاب وعملي، ومع تراجع المؤسسات الرسمية فإن الكثير من رؤى الإسلاميين ما زالت متأخرها يجرهم المجددون أحيانا وربما الحكومات بصعوبه إلى نور لم يعشو إليه بعد.

** ألا تعتقد أن الإسلاميين ليسوا واضحين بالنسبة لمطالبهم بالحرية أو أن المفهوم ذاته ملتبس عندهم؟
- قدمت الحرية للإسلاميين على أنها التفسخ والعري والفساد فكان الرد بالرفض، ولو علموا ان الحرية تعني تحقيق مصالحهم الشخصية والدينية والرقي بكرامتهم وأفكارهم لما حدث موقفهم القديم، ولهذا فإن الحرية مما يجب أن تسخر له الكثير من الجهود لأنه يعني في مجمله الخير للجميع، وبغير الحرية لا ترتفع راية ولا يقوى مجتمع ولا تعلو دعوة ولا يصان مال ولا عرض. إن المجتمع بحق يحتاج للتحرر من الأفكار المفسدة الصادة عن الحرية وعن ثقافتها.

** حركة النقد داخل التيار الإسلامي السعودي بشكل عام هل هي كافية لتعديل أي أخطاء في المسيرة؟
- هناك تأكيد في أسئلتك على أن هذه وتلك قضايا سعودية، بينما أكثر هذه القضايا عامة. لا أرى أن هناك حركة نقدية تقدم حلولا كافية، وإن وجدت فلعلها لا تملك وسائل توصيل مفاهيمها وحلولها للمعضلات

** ما هي نصائحك لرموز التيار الصحوي المعاصرة؟
- أفضل أن أسوق كلامي للقارئ، أياً كان، وهي الاهتمام بالمعرفة الجيدة الجادة وبالمرونة وبالمعاصرة، والفكاك من قيود الأسلاف، والتوجه للإسلام في أصله بل في غايته لافي تاريخه وتجاربه ولا البقاء في عالم الفرق والنزاعات القديمة أو المتجددة، فمن غرق فيها فلن يصنع شيئا إلا التدمير الذاتي، وسيبحث العقلاء عن غيره منقذا أو مساعدا، ليس علينا حراسة أقوال الأقدمين والحرب لمن حاربهم و ولاء من والاهم؛ ولهذا فإن التوجه إلى البحث عن الإسلام قبل التقسيم وقبل التفرق هو منطلق التجديد ومنطلق الوحدة، ومنطلق المعاصرة أيضا هو التخفف من كثير من الماضي، وأخذ أحسن ما يعاصرنا، وغير هذا تفريط واستهلاك للحياة ولجهود الناس بلا غاية قاصدة.

** يُلاحظ أن الطرح الاستشرافي للمستقبل بعيد عن أذهان معظم المفكرين الإسلاميين.. بوصفك مهتماً بهذا الطرح ومساهماً فيه، ما أسباب هذا الغياب عن هذا الحقل المهم؟
- الاستشراف منه المعرفة والمراجعة والتعديل، وإن لم يتم شيء من الجوانب الثلاثة فمجرد الاطلاع والمعرفة الساكنة المحزنة أو المفرحة جهد قليل القيمة، أما إن كانت لك أفكار وخطط تعمل ثم تجددت معارفك وراجعت فعدلت من خططك وفق الجديد أو المتوقع فهنا يكون لك استشراف عملي صحيح يصدق عليه الوصف والنتائج. وإن من أسباب غياب الاستشراف غياب الخطط أصلا، أو أن يفهم الاستشراف على أنه حالة تغير في العالم الخارجي لا تحتاج إلى جهد للمواكبة ولا للتغيير في الحالة العالمية المتغيرة أو التي تريد منا تحديثا، فنبقى كما ماديا بشرياً يؤمن بأفكار جبرية معطلة عن المشاركة في حركة العالم، ذلك العالم الذي يديره غيرنا، ونحن مجرد مشاهدين، ومراقبين عُزّل، ننتظر المهدي أو الموت أو رحمة الغرب أو الشرق أو من يقدر مظالما، يغير ولهذا فلكثيرين عذرهم في تجاهل الاستشراف ما دام لا يزيد عن كونه خبرا، أو أرقاما وتوقعات ليست ذات علاقة عملية من قبلنا.
كما أن طريقة التعليم التي تفهم المعارف والعالم على أنه مجرد معلومات تحصلها وتحفظها بعيدا عن العقل المشارك، وبعيدا عن نقد المعلومات، أو اختبار جدواها هو مما يمنع الاستشراف، وللأسف فإن بعضهم إذا دخل هذا المجال أجرى عليه طريقة معرفة المتسلفة، حيث يجمّد المتحرك، ويعبث بالألفاظ، ويبقى يحرّر ويؤصّل، ويفسّق ويفجّر! وهذه عوالم مختلفة لا تصلح أحيانا ثقافة أحدهما للآخر. والمعاب هنا هي ثقافة المتسلفة لا معرفة السلف وعملهم، ولا معارف العصر الحديث، لأن السلبية الغالبة جاءت من المنطقة المتوسطة الضعيفة بين ثقافتين فتجلب أسماء الأفكار والأشياء ولا تستوعبها، ولا تعرف كيف تتعامل معها، وتقدس القديم لأنه قديم، وتتشوّق للمعاصر من قلوبها وتكره تحقيقه بألسنتها، وتحب أحيانا أن يستوطن بالقوة الغالبة والاكراه، وتتظاهر بالإنكار، بسبب ثقافة متوارثة هي الخوف من الغريب التي تلازم الجاهل فتعوقه وتشوه عقله وانسجامه.

** كيف تنظر لقلة المفكرين الإسلاميين المشتغلين على الجبهة الثقافية على الرغم من حيوية هذه الجبهة في الوقت الحالي؟
- هناك خلط كبير لدى القراء بين المفكر وبين المثقف، فالأصل ندرة المفكرين و وفرة المثقفين، فالمفكر هو من يفترض أن يصنع الفكرة والموقف والتوجه، والمثقف هو من يقوم بدور النشر والتحرير والعرض وهذه ليست مناصب توزعها وكالة للتعريف، ولا قرار من مؤسسة ولا جامعة، وليس تكوّن المفكر بقرار من المفكر ذاته، كما أن الفيلسوف الأرفع من المفكر والأندر منه، ليس قرارا شخصيا، فمن لم يكن موهوبا في منزلتي الفيلسوف وأقل منه المفكر فلن يجديه قول الناس ولا رغبته، فكم نتمنى أن نكون شعراء ولكن إن تخلفت الموهبة لم تجد المعرفة إلا قليلا من النظم، وفي الدرجة الثالثة من حيث انتاج الفكرة والمفهوم يأتي المثقف، وهو الأكثر تأثيرا اجتماعيا من سابقيه، ولا يترفع مبدع ولا مفكر ولا فيلسوف عن ممارسة دور المثقف؛ بل يحتاج الجميع لدوره فهو دور المروج للأفكار، وعادة تكون كثرة الكتابة وجمال الأسلوب سلاحه، والاختصار والوضوح والتجنيد غايته، وهو يتكي على المفكر او الفيلسوف، وقد ينال مجدا أكثر منهما بسبب حصر دوره، ووضوح غايته، وعندنا مثال محمد بن عبد الوهاب مع أفكار ابن تيمية، فلم يكن بانيا لها ولكنه عارض وشارح ومختصر وموضح ومجند، فحيت تلك الأفكار، ودور سيد قطب مع بعض أفكار المودوي، ودور لينين وكثير من مثقفي اليسار مع ماركس، ودور هنري جيمس مع بيرس.
كما أن وجود علاقة جيدة بين المفكر والمثقف ذات أثر عظيم النفع، إذ يوقظ أحدهما الآخر، ويهديه ويصقل موقفه ويقدّمه، وعلى كل حال ليس هناك من تحجير للواسعات ولكنها مصائر تؤول إليها الأمور بوعي أو بدونه.

** أطروحة الإسلام (الثقافي) في مقابل الإسلام (السياسي) هل ترى أنها متناسبة مع هذا الوقت؟
- لست مستوعبا لما أراه شبه واضح عندك في السؤال، غير أن للإسلام علاقته المتميزة مع السياسة بخلاف اليهودية والمسيحية، فقد بقيت المسيحية أكثر من ثلاثة قرون في حرب مع الدولة والسياسة، فكانت الدول ضد الدين، وعندما جاءت العلمانية الحديثة فلم تكن بدعا من تيار ثقافي تاريخي طويل، بينما الإسلام من أول يوم أقام دولته، فلم يحدث فيه هذا الفصام، وعرف الدين مرونته مع السياسة، وعرفت السياسة تمازجها مع الدين دون تصادم كما في المخيلة المسيحية. والثقافة والسياسة متلازمان، فهذا المجتمع العلماني المسيحي يشن الحروب الدينية الأقسى من كل سياسة باسم الدنيا والدين والثقافة، وتدفعه الدنيا ويغلفها بالدين او الثقافة، فالمسافات أحيانا وهمية، وتتظاهر بما يريد المجتمع القوي، فهذا بلير بعد ترك منصبه اعترف (في فيلم وثائقي) بأن من دوافعه الكبيرة لغزو العراق مسألة الدين ولكن البنية العلمانية في بلده لا تقبل كشف ذلك.
ثم بقي أن أزيد توضيحا هنا وهو أنه لو لم يكن المسيحيون مسيسيين ومصممين على تدمير الصعود الإسلامي والإقتصادي والسياسي والأخلاقي، لما حاربوا مجايليهم على الضفة الأخرى، فقد استطاعوا إلهاء الناس عن صعود التطرف المسيحي وعن المسيحية السياسية بالحديث عن الإسلام السياسي؛ وكان من أوائل من نبّه لهذه الفكرة كتّاب اليسار المشهورون مثل طارق علي في: “صِدام الأصوليات”، وآخرون كثيرون على شاكلته ممن عانوا من تصاعد التعصب السياسي المسيحي في حكومة بوش وبلير وبيرلسكوني.

** تحرص كثيراً على توصيف نفسك بالمفكر المستقل.. هل ترى أن الانتماء يمكن أن يقلل من أثر المفكر أو يحد من تحركه؟
- لا أذكر أنني ألقيت على نفسي بعض هذه الألقاب، فهي غالبا من الناس الذين يقدمونني في برنامج أو مقالة عرض أو تعريف، إلا أن تكون إجابة عن سؤال الانتماء أو الاستقلال، وليس الاستقلال ادعاء، فله حسناته وله سيئاته، لأن من وجد حزبا يروّج له ليس كمن لا حزب له، بل تجد الصغير يكبر إن كان في جمع، والضعيف يعز إن كان له رهط، والباطل يعلو إن كانت له قوة من مال وعدد، والحق يخفت إن قل الناصر. أما الانتماء للأحزاب فإن الأحزاب العتيقة لا تقبل المفكر والمبدع، بل تشترط في العضو أن يكون: “تابعا مقلدا أو من يكاد أن يكون بليدا” ثم تلطّف هذه الأوصاف بإنعامهم عليه بألقاب من مثل: “الملتزم والمستقيم والمنهجي والمطيع” لأن المبدع غالبا يكون قادرا على هدم بناها وإعادتها، وعندما يبدأعملا أو مؤسسة جديدة فإنها تحتاج للتقليدية والانتظام والاستقرار الاداري، وهنا سرعان ما تبتلع المبدع أعماله الناجحة، وتجعله كادرا منسجما، وإن خالف التزامات النسق الإداري أقلقها أو أتهم بالفوضى والفردية، فالمفكر أو المبدع كثيرا ما يكون فرديا متقلبا وقلقا على المؤسسة، ولهذا إن أراد النجاح لمؤسسته فعليه أن يبتعد عن البُنية التي تحتاج إلى الاستقرار والاستمرار، ويجلب لها الأكثر هدوءا والأشجع الأصبر على التجديد الهادئ. وقد كتبت قديما عن نموذج الثائر المبدع المرهق للنظام الذي يصنع في مقال: (الترابي والخميني جدل الدين والسياسة)
** هناك الكثير من المفكرين الذين يصفون أنفسهم كذلك بأنهم مستقلون لكن في الواقع هم بخلاف ذلك.. هل الالتزام بالاستقلالية أمر صعب؟
- بحسب وصفك فهم مثقفوا حزب أو مروجو لجماعة أو مذهب، ولا ينطبق عليهم وصفهم لأنفسهم ولا وصف الناس لهم، أما الاستقلالية الثقافية والفكرية فلن تجد عاقلا يزعم استقلاله التام في كل آرائه، لأن هذا خارج قدرات الإنسان أيا كان.

** كيف تنظر لتجربتك في رئاسة التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية بعد مضي نحو سبع سنوات من هذه التجربة؟
- لم يزل التجمع قائما –رسميا على الأقل- ولو على ضعف كما أصاب غيره من المؤسسات، ولم تزل مؤسسات تفرعت عنه كبيرة وتعمل بكفاءة، وأرجو أن يستمر لها ذلك. أما الجانب الشخصي فإن ما أفدته ثقافيا وإداريا من مؤسسات أقمتها أو ساعدت في إقامتها أكبر من أن أصف ومن أن أختزل في مقاطع يسيرة، وما أحسن أن ترى فكرة تحيا وتسير وتنفع وتظلّ وتقلّ وقد كان لك أثر في بنائها، وهي أحسن عندما لا تدرك بعدها ولا يعرف أحد دورك فيها ولكن أنانية الانسان وضعفه يدخل الوقص على الأعمال.

** لماذا لا نلحظ تغيراً يُذكر في طريقة تعامل أمريكا مع العالم الإسلامي على الرغم من تعاقب حكومات كثيرة للديمقراطيين والجمهوريين؟
- تأتي المشكلة من عدة جوانب، أولها الثقافة الاستعمارية حيث النظر الثقافي الرسمي للطبقة الغالبة المتنفذة هي رؤية إلى مستعمرات وأرض ذات خيرات يسكنها من لا يستحقها كرأيهم في الهنود الحمر، أيضا لم توفق مجتمعاتنا في رجال وأحزاب وجماعات ذات همة تترفع على الصغائر وتبني دولا، فبقينا عشائر وأفراد لا تستحق تقديرا ولا مكانا عالميا، ثم اتهام هذه الشعوب بالتخلف، وتبرير ذلك لاحقا بالداروينية التي تضع من قدرات الملونين العقلية، ثم تعلقهم بالصهاينة كقاعدة إخضاع وترويع للمتمردين على مصالحهم، وفي زمن الصحوة الدينية في المجتمع المسيحي الأمريكي سيطرت مجموعات أخيرا أكثر تطرفا وخرافية، تؤمن كما سمعتم في خطبة بوش في الكنيست بالشعب المختار، و وحدة الدين، و وحدة الخبرة في الهجرة المتشابهة بين الأمريكان واليهود، وهذا يعني الإبادة والتطهير للسكان القدماء، وقد كان سكان أمريكا عشية الغزو الأوربي ثلاثين مليونا، ومع بداية القرن العشرين بلغوا خمسمائة ألف، وكانت نسبة سكان فلسطين من الصهاينة عند التطهير العرقي للفسطينين 1\5 واليوم أصبح الفلسطينيون في الداخل قريبا من: 1\5 أي عكس الرقم. وقد كان هناك نقاش صريح بين محمد أسد وحاييم وايزمن حول هذه القضية، فلما استنكر أسد مشروع هجرة اليهود والتطهير للفلسطينيين لكونه ليس إنسانيا أعرض عنه وايزمن مستغربا عقله. والصحوة الدينية المسيحية اليوم بدأت تستعيد جرائم التاريخ ومعضلاته، ثم جوارنا ومصادماتنا الدائمة. أضف لهذا جهود المبشرين بالتبعية، الذين يبشرون ويدأبون على استمرار الالحاق لكل مصالحنا بمصالحهم.

** إلى أي مدى استفدتم من الغرب؟ أخذتم منه أم هو أخذ منكم؟
- حياة الإنسان الفاعلة في أي مجتمع تبادل وعطاء، والذين يحبون اللوم والقول بأن الاقامة في مجتمع آخر وبخاصة متقدم إداريا وسياسيا وتقنيا هي أخذ وفقدان قد يكون بعض هذا صحيح، ولكنهم لا يفكرون كم أضاعوا هم في مسايرة وتثبيت أو إقرار التخلف والضعف والجهل والتبعية ثم يلومون من عرف، ليؤكدوا أن جهلهم كان خيرا وأبقى.

** هل تتفق مع من يرى أن هناك عملاً دؤوباً يتم في الخفاء لإيجاد نوع من القابلية (للاستعمار) الثقافي في العالم الإسلامي، والقبول بهيمنة الدول الكبرى من خلال التعليم والإعلام؟
- نظرية القابلية للاستعمار لمالك بن نبي قد تكون قديمة، إذ لم يعد سرا ما نقرأه اليوم من الحرب الفكرية وحرب الأفكار في العالم الإسلامي، وهو شعار رفعه اليهود في الإدارة الأمريكية و ليبراليين من خارجها، فلم تزل جرائد ومجلات وكتب أجنبية تلح على حرب الأفكار، ولم يعد ذلك سرا يتهامس به مثقفون، فهو طرح معلن صريح، وهم يظهرون مسألة الحرب على الإرهاب والحقيقة أنها الحرب على الاستقلال وعلى حرية المسلمين، وعلى ثروتهم وأرضهم وعقولهم وعواطفهم، مع تحريم الحرية عليهم، ولعل كتابي جون بلجر”الحرية في المرة القادمة” وكتاب فؤاد زكريا عن: “مستقبل الحرية” صريحين في ضرورة تحريم الحرية على المسلمين، وإبقائهم مستعبدين فقراء أذلاء رهن العبودية للغرب عبر وسطاء.
وأقامت الحكومات العربية فضلا عن الغربية مؤسسات ووسائل إعلام تؤكد رسالة الاستعباد والخضوع، ومحاربة أفكار السيادة الذاتية أو مشاركة المواطنين المسلمين في تقرير مصيرهم ورعاية حقوقهم.

** يُلاحظ في كتاباتك نوع من الحدة بخلاف شخصيتك التي تجنح إلى الهدوء.. هل تعبر كتاباتك عن غضب مكبوت؟
- هذه التهم تقال وتلقى غالبا على من يخالف التيار الرقيق الأنيق العام، المتكلف لأساليب توصيل الفكرة بحيلة ورقة حتى لا يجرح مشاعر المخالفين، وهذه قضية فيها مبالغة وقتل للفكرة، أرى أن تقال الفكرة بأحسن وأصوب وأقوى ما يمكن احتراما للمستهلك للأفكار. فالفكرة الخجلى لا تحتملها كل الظروف والمواقف. وليست لائقة بكثير مما نتحدث عنه في مواجهة الارهاب والاحتلال والنفاق؛ كيف وفي القرآن صرامة ووضوح ضد أراذل المجتمع ورذائله ألم تقرأ: “هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم”، وإني لأشفق على الذوّاقة الرقّاق الناعمين أصحاب ثقافة “الآخر” التي لم يعرفوا بعد معانيها من سماعهم لهذه الآيات.
وقد كانت التهمة بالحدّة سلاحا يشهره المخالفون إن أرادو اسكات صوت أوضح أو أعلى أو أدق وأصوب، فقد اتهم بذلك ابن تيمية، وعلى التلفاز الأمريكي سمعت مناقشا يتهم تشومسكي واصفا له بـ “الرجل الغضبان” ورمي الشخص بهذه العبارات محاولة سخيفة لسلب القيمة الفكرية لما يقول وما يكتب، فيهرب من صلابة الحقيقة أو الفكرة إلى هدم الشخص آملا في الحاقها به.

** كذلك يلاحظ أنك لا تكتب بشكل راتب؟
- الكتابة عندي مرهقة، وأنشر قليلا مما أكتب، أؤخر بعضه لأنه قد لا يناسب، أو لأنه أليق بكتب، لأنه يثقل على القارئ السريع، وأحيانا أحرص على النوعية فتقل الكمية.

** إذا وُضعت في موقف الاختيار بين الديموقراطية القادمة من الغرب والديكتاتوريات الموجودة حالياً في عالمنا الإسلامي.. ماذا ستختار؟
- اللهم لا مقارنة كيف تجرؤ على المقارنة بهذه الطريقة؟ هل نسيت أنك سميت واحدة بالديكتاتوريات؟ إنها كالمقارنة بين بين الحمار والسيارة، أو بين الطائرة الورقية التي يلعب بها الأطفال وبين الطائرة النفاثة.

** موقفك من النظر إلى الأمور من الجانب (العقدي) أثار الكثير من الجدل إبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.. ألا ترى في العقيدة أمراً حيوياً في مسائل السياسة؟
- من الغريب أن هناك من اعترض على المقال “خداع التحليل العقدي”، بل وللأسف هناك من شكك في الفكرة لاحقا، وجوابي: إنه لو أعطى بعض الناقدين لنفسه وقتا واهتماما لما وجده أبدا يخالف صريح المعقول ولا صحيح المنقول، راسخا في منهجيته منضبطا في علميته، وما كتبته كان من البدهيات المعرفية ويبدو لي أن الضجة والمخالفة لما قلت جاءت بسبب غرابة الميدان على الناقدين، فقد كانوا يقرأون التفصيلات والأخبار السياسية منفصلة عن تقييم المواقف والعقائد وصلاتها المعرفية والمنهجية المتشابكة.

** ما مشاريعك الفكرية القادمة؟
- لدي رسائل عديدة وكتب شبه جاهزة عديدة، أرجو أن أجد وقتا لمراجعتها وإخراجها، منها كتاب عن: التجديد، وآخر عن: الحرية، وثالث قديم عن أقنعة الاحتلال، ومذكرات قارئ، وغيرها
-

مراجعات
حوار مع الدكتور محمد بن حامد الأحمري
مقابلة لمجلة الإسلام اليوم، التي يشرف عليها الشيخ سلمان العودة وتصدر في الرياض في عدد44 جمادى الآخرة 1429هـ يونيه 2008م ص40-49
أجراها: عبد الحي شاهين

التعليقات

  1. سعود الشمري
    18 June 2008 | 9:28 am

    مبدع كعادتك وقاسي كما عهدناك

    اللطف اللطف والسكينة السكينة

    سعود الشمري

  2. ..........................................
  3. أحد ما
    19 June 2008 | 10:30 pm

    رائع دكتورنا الكريم……
    كما انت

  4. ..........................................

أضف تعليقا

الاسم (مطلوب)

البريد الإلكتروني (لن يعرض للآخرين) (مطلوب)

الموقع

أطلق العنان لحروفك