2008 16 Jun
** حدثنا عن النشأة في مدينة أبها.. وكيف كان تأثيرها على اختياراتك المستقبلية؟
- ولدت في قرية من قرى قبيلة بني الأحمر الواقعة على جبال السراة الواقعة بين أبها والطائف، ثم انتقلت جنوبا إلى مدينة أبها وأنا في الفصل الدراسي الخامس الإبتدائي، وأكملت الإبتدائية في المدرسة الرحمانية، ثم درست المتوسطة والثانوية في المعهد العلمي بأبها، وكان لا يدخله إلا المتفوقون بامتحان قبول أمام لجنة من مدرسيه. كان والدي رحمه الله جادا في مراقبة تعليمنا (أنا وأخي أصغر مني)، ويتأكد يوميا من جلوسنا على كتبنا واتمام الواجبات المدرسية، وقد كانت له كتب قليلة جدا في ما كنا نسميه “قترة” وهو رف داخل الجدار المبني بالحجر، ولما كان يلزمنا بالبقاء على الكتب في المجلس زمنا زائدا عن وقت الواجبات فكان لا بد من مهرب من الكتب المقررة لسواها، ولهذا فقد بدأت أقرأ كتبه الصعبة في السنة الرابعة الإبتدائية، وكانت كتبا في المواعظ ورسائل فقهية في موضوعات تهم الناس في القرى من مثل نكاح الشغار، وكان بعضه منتشرا في القرى بسبب الزراعة وحاجاتها، فيتبادل أبوان أو أخوان زواج أخواتهما دون مهر محدد. وكانت لديه بعض معرفة بأحكام الفرائض؛ فيساعد الناس على قسمة المواريث. وبدأت أقرأ مجلة العربي في تلك المرحلة حيث كانت تأتي بها لي أختي الكبرى من أبها.
[اقرأ المزيد]
2008 7 Jun
كان حكيم يسير مع تلاميذه على جبل التاي، فرأى امرأة تنوح على قبر، فأسرع باتجاهها، ولما اقترب أرسل أحد تلاميذه ليسألها: إنك تولولين وتنوحين نواح من عانى أحزانا على أحزان؟ فأجابت نعم هو كذلك! إنها أحزان على أحزان؛ فقد قتل النمر والد زوجي في هذا المكان، ثم قتل النمر زوجي هنا أيضا، والآن قتل النمر ابني بالطريقة نفسها!
قال الحكيم: لماذا لا تتركين هذه المكان؟
فكانت إجابتها: “إنه لا يوجد حكومة ظالمة في هذا المكان.”
قال الحكيم: تذكروا يا بني إن الحكومة الظالمة أسوأ من الوحوش الضواري. (عن كتاب: السلطة، لراسل، ص 224)
انتهت قصة النمر على جبل التاي، وختمت لك قصة هذه المرأة وتلك العائلة ذات الضمير الحي، والعزة العالية، حيث تقبل الموت بأنياب السباع ولا تقبل جوار الطغاة من حيوانات البشر الأدنين، طغاة البشر يقتلون الروح، وينشرون المهانة. إن الإنسان ذي الفطرة السليمة، والكرامة التي لم تذلل، والضمير الحي ليرى شر بلواه أن يتعرض لتقييد حريته، أو حياته تحت الظلم، وإن الطاغية قبل أن يسجن مخالفيه أو يرهبهم يكون قد ألمّ الخوف بقلبه، واستولى عليه الهلع، وحل الذل أعماقه، فرأى خلاصه من رعبه ومن خوفه وذلته أن يقيد حريات الناس، وأن يظلمهم جزاء ما أخافوه!
الظالم محكوم بالهواجس، والتوهمات، فيتوقع أن العالم كله يعاديه ويهدده، فتراه يتحدث عن مخاطر وهمية يحشوا بها رأسه ويحرك لها القوى والمناصرين السذج المستأجرين، ويجيش جيوش الأوهام التي تفسد الحياة، وتسجن الظالم وتذله في سجن مخاوفه، فترى المتعلقين بالكرامة والحرية يفضلون جوار السباع الحرة على جوار الظالم ضحية الأوهام، الذي يجعل العالم كئيبا مخيفا وحشيا أكثر من وحشية الغابة.
يا لها من سنة خالدة ما علا ظالم إلا وقد نال من المهانة فوق ما يستطيع أن يصب على ضحاياه!
إن الظلم عار على البشرية مستمر في تلطيخ وجهها، هابط بها ومعتد على كرامتها، منحطا بها عن دركات الوحوش، وفي بلاد المسلمين منه كثير كثير، يهوي بهامات أمتنا ويمسح بها في التراب، زارعا الهوان في القلوب، مفسدا للألسن والعقول، جاعلا من مجتمعاتنا مجتمعات الخوف والذلة، يفتحها للمحتلين، ويدوسها الغزاة، ويزجرون -من يسمونهم- قادتها، ويدوسون عواصمها وفيافيها حيث لا يرون فيها رجالا، ولا يحسون ضمائر، ولا يرون حميّة، بل حقير يضطهد ضعيفا، وعميلا يقهر بريئا ويسومه سوء العذاب.
واجبنا أن نعمل لإيجاد حكومات إنسانية راقية مترفعة من مهاوي الظلم، التي أمسكت بمجتمعاتنا تهوي بها تحت قيم الحيوان، حيث بطن المتسلط لا يرقى لبطون السباع، فهو فاغر للأبد لا يشبع، وعقله لا يرقى لعقل الحيوان، لأن عقل الحيوان مهما جمع فهو فردي، ومنته في فترة أقصر، وقوة أضعف، الظالم يحكم ببطنه الجشع، وقلبه الهلع، وأوهامه السخيفة، و وجد ليجعل من الإنسان قادرا أن يقارن بين المستويات البشرية حين تسقط لتحل تحت الظالم الأدنى من الحيوان، والمستويات العليا التي تسائل حاكمها على زيادة ثوب فقط عن المواطنين، أيام عمر، فيحضر ابنه ليقر لهم أن الثوب الزائد كان قد تنازل عنه عبد الله بن عمر لوالده، وتلك المستويات العليا من مجتمعات بشرية راقية معاصرة وعزيزة فقيرة الموارد فاغتنت، وتساوت وعدلت، فارتقى فردها العامي البسيط على كل متكبر متجبر عربي جاهل سخيف، وهوى الخيرون والأفذاذ والسادة ممن يعيشون تحت رعب الجاهلين المتوحشين المستغلين واللصوص في زوايا العالم العربي الحزين المهزوم بسبب المفسدين التابعين!
وخرج الجميع من التاريخ، وأصبحوا مجرد سكان ثقلاء أذلاء مستعبدين يسكنون فوق الأراضي الغنية، لا يتوقع منهم أحد موقفا ولا سياسة ولا مشاركة في إدارة أراضيهم فضلا عن غيرهم وفي كل يوم تنتقص سيادتهم، وينعطف المتوحشون الفاسدون الظالمون المتخلفون على الضعفاء والسادة ينهبونهم ويذلونهم ويقيدون حريتهم، وقد رفع قدرهم المتنبي لمرتبة الثعالب: “وقد بشمن وما تفنى العناقيد”
“تذكروا يا بني إن الحكومة الظالمة أسوأ من الوحوش الضواري”