الحرب بعد فعل الحزب 2/2
من القراء من طلب أكثر من مرة العودة إلى كلام قديم لا أريده، فقد صح واستقر، وليس مهما إعادة البحث فيه، ولكن أشكالا قريبة منه تعود بأوهام البعض؛ من نمط تصنيف الصراع في لبنان وأنه بين السنة والشيعة، وأشكل عليهم المزج الغريب هذا، إذ نجد حكومات سنية ضد السنة في غزة وضد حماس والجهاد، ونجد شيعة يؤيدون ويدعمون الحركتين، فالحكومة المصرية ترسل النفط لإسرائيل وتحارب حماس في غزة، وعذبت عددا من رجالها في مصر، تطلب منهم أن يدلّوا على موقع الجندي الصهيوني الأسير “شاليط”!
وتتهم الحكومة المصرية غزة بأن فيها “إخوان مسلمون”، وهؤلاء قد يتضامنون مع الإخوان في مصر، فيسقطون الإمام المعصوم، فيخسر الصهاينة الشريك المخلص، مع أن هذا الحبيب المقرب للديمقراطية الصهيونية، يبدأ كل موسم انتخابات بقرار يضع خصومه في السجن من الإخوان وحركة كفاية، ثم يقيم لبعضهم محاكم عسكرية، ويقيم انتخابات ويجلب البلطجية لمن يصوت لغيره! من الطريف أن كلمة “بلطجية كما هي بالعربية”، دخلت قاموس الإنجليزية في السي إن إن ونيويورك تايمز لأول مرة بسبب الانتخابات المصرية لمبارك!
في التقسيمات اللبنانية، هناك اشتراكيون، وقسم من الدروز، فريق جنبلاط، ومسيحيون وقتلة مجرمون، مثل جعجع والجميّل وارث الكتائب، ووارث سيئ السمعة أخيه بشير “والتاريخ الأسود في صبرا وشاتيلا”، فهم اليوم مع الحريري والسنيورة وقباني ومشايخ وإخوان مسلمين، في تيار المستقبل ومعهم شيعة، وهذا الطرف أغلبه سنة، وهم من يمثل الخط الأمريكي كما يراه حزب الله.
يقابل هذا مشايخ سنة، لهم سابقة دعوة وعمل مع حزب الله، مثل فتحي يكن رئيس “جبهة العمل الإسلامي” وقسم من الإخوان المسلمين، وقسم من الدروز، ومسيحيون مثل عون (عدو سوريا سابقا) وتياره وأمل “ذات التاريخ المظلم في قتل الفلسطينيين” مع حزب الله، وهذا تيار أغلبه شيعة. فهل التسمية والتقسيم: “سني وشيعي” تقسيم صحيح؟
والحقيقة أن من الخطأ جعل الدين أو المذهب سلاحا للتمييز بين الصفين، أو توهم أن قصة سنة وشيعة هي مدار الصراع، فالأديان والمذاهب الآن في لبنان تابعة ومستخدمة من قبل السياسيين من الطرفين، والعقيدة التي تميز بين الطرفين هي السياسة ومصادر التمويل، ومن السياسة الموقف من الخارج ـ أمريكا وإسرائيل ، من جهة، ومن الجهة الأخرى سوريا وإيران، هي الفيصل فيما يدور بينهم اليوم، فمن كان مواليا لأمريكا وهادئا على الأقل في موضوع الصهاينة، فهو في حزب الحريري وبعض الدروز وبعض المسيحيين، ويطلق عليهم ألقاب إيجابية من أمريكا ومن إسرائيل وإعلامها، فهم: “المعتدلون”.
ومن كان مع المقاومة وضد إسرائيل، فهو ضد أمريكا ومع سوريا وإيران، سلفيا كان أو شيعيا مسيحيا أو شيوعيا إخوانيا أو قوميا. ويسميهم الأمريكان: “المتطرفين أو إيرانيين”، هذا إن سلموا من تسميتهم بـ: “إرهابيين”، كما يعيّر الاحتلال المقاومة في أي مكان. ومجمل هؤلاء مع تيار حزب الله (معارضة، أو ممانعة، أو مستقلون، أو مع إيران). وبهذا تفهم أين العقائد مما يدور، إن المواقف السياسية من إسرائيل وأمريكا وإيران هي “العقيدة” وهي محط الولاء والبراء في هذه الساحة. والأديان يسخرونها لمصالحهم أو لعقائدهم السياسية المذكورة.
بعدما شاع أن إيران تساعد المقاومة في فلسطين من [جهاد وحماس]، وتدربها وترسل لها المال، وبحثنا عن جواب الفلسطينيين، فكان من فحواه: إن كان كذلك فليس كله حبا للسنة، ولكن مصالح إسلامية مشتركة، وإيران ربما فعلت دفاعا عن إستراتيجيتها، ومذهبيتها السياسية الاستقلالية من الاحتلال الغربي، وموقفها من الصهاينة واضح، وللفلسطينيين حسابهم، ويرون أنفسهم في حال المضطر لإيران، فلم يستقبلهم السنة ولم يموّلوهم، ولم يعطوهم جوازات ولا تدريب ولا إقامة على أرضهم، ويقولون إنه لا يجرؤ إنسان شريف على نقدهم في اللجوء إلى إيران، لأنه لا يملك ـ كما يقول الفلسطينيون ـ أي جواب معقول أو مشروع يدل على أنهم تشيعوا بسبب الإعانات!
ويردون على مخالفيهم: ماذا تقولون وأنتم ترون المواقف تستقر على هذا النحو: غالب الفلسطينيين في الداخل والمهاجر (بحسب الانتخابات) وحماس والجهاد والشعبية وقيادات وكثير من شرفاء فتح وإيران وحزب الله وسوريا في صف، وترون في الصف المقابل: دحلان وعباس وبعض المنظمة والصهاينة ودول عربية في صف!
هذا ليس ضربا من الخيال، بل يسد عليكم الأفق وتتعثرون به، وقصة سنة وشيعة لا تملك أن ترفعها للجدال في الفقرة السابقة، ولعلكم ترون بحق أن مواقف أتباع الصهاينة أكثر انسجاما مع باطلهم وأنفسهم من مواقف كثير من المتدينة العقائديين الغارقين في تناقض لا يثمر علما ولا عقلا ولا مصلحة! [انتهى تلخيص الحوار مع أحدهم بأسلوبي في هذه الفقرة]
إنكم ترون السنة “بعض الحكومات غير المستقلة”، يحاصرون الإسلاميين الفلسطينيين، ويرسلون المال والدعم لأعدائهم، وليحققوا انقلاب دحلان عليهم، (راجع الفضيحة التي وثقتها مجلة فانيتي فير، فلم يسقط بسببها أحد ولم ينتحر فاعل، لأنه في زماننا خيانة الشعب في بلاد العرب لا تعاب)، مع أن حماس وصلت بطريقة منتخبة ديمقراطية على عين كارتر نفسه مراقبا، فليست مشكلة أمريكا وإسرائيل مع إيران وحماس وحزب الله، الديمقراطية، غابت أم حضرت، بل مشكلة إيران أنها استقلت، وأن لها حكومة مستقلة تصنع مصلحتها، وأن حماس والجهاد مستقلون، وهكذا أي حكومة أو حزب سني أو شيعي، صيني أو هندي، فسيكون هذا مصيره مع أي إمبراطورية، إلا عندما لا تستطيع الإمبراطورية قهره فإنها تشاركه؛ بحسب المثل السائد عندهم “إن لم تستطع أن تغلبهم فشاركهم”.
وشيء من هذا هو سبب سياسة المشاركة مع الإيرانيين في أفغانستان والعراق. وغير مستبعد أن تتنازل الإمبراطورية وتحاور من تسميهم اليوم إرهابيين، وتصالحهم، لأن للإمبراطوريات مصالح تتجاوز أهمية كثير من الأتباع، إذ يرى الأتباع المواقف حاسمة، ولكن السياسة والمنافع مرنة عندما تواجهها القوة ولو كانت صغيرة ولكنها جادة ومستمرة، إذ التخفيف من قسوة التحيزات واللجوء للتفاهم مصير البشر دائما.
وبقي أن ندرك أن مشكلة أحداث نيويورك وما تلاها صدمت السنة وقياداتها التي تتمنى أي مخرج من لوازم الحياة، وحملت أكثر مما تحتمل، فأصبح السنة “قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل”، أصيبوا بالرعب فاتجهت حكوماتهم وبعض شعوبهم إلى تزيين التبعية والسلبية والجبن، وثقافة السلام المتطرف، حتى تبين للسنة أنفسهم في بيروت بفضل قيادتهم الجديدة بأن ثقافتهم أشبه بثقافة صالة استقبال في فندق، بلا قوة ولا حمية، ومزق السنة صور الحريري لما أوصلتهم إليه ثقافة المال المرسل إليه والقلوب التي انهارت بعد سبتمبر، حين تصبح القوة عيبا، والدفاع عن النفس إرهابا.
* وماذا عن الحزب بعد الحرب
بشار وحسن: شابان مولعان الآن بالخطابة، أو هكذا يبدو لمن لا يعرف عنهما إلا هذا، مع بروز ودهاء في إدارة وخطابة حسن، وقد ظهر أنه فقد منها الكثير في لقائه الأخير، غير أن الخطابة تبدو من مشكلات بشار الظاهرة، فقد تورط في لغة فوق طاقته، وحل منصبا في جسم قديم متهالك يفتك بشبابه، ويصّلب أو يجمد البيئة من حوله، ولعل الظرف أكبر من الشخص، فيتراجع وينساق مع لغة موروثة ليست له، وليس لها، وقد رأيناه وقد اختطفه السجع ورنة الكلام، فأساء استخدامها، ومدح وذمّ، وتورط فلم يستطع أن يسيطر عليها في أخطاء ستلازمه ما دام حيا بقوله: “أنصاف مواقف وأنصاف رجال”. لم يقصدها إلا لمجرد سياحة لغوية،كما يقولون، وهي شبيهة بسجع المثل الذي ردده صدام فورطه: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”، ولم يبد قادرا على الخلاص من إلزامات المثل المسجوع!
أما حسن نصر الله، فورطته أكثر من كبيرة، وأهم ورطة سيعانيها في المستقبل القريب هي قوته من السلاح والأفكار، فقد شحن الصدور وملأ الرؤوس غرورا وثقة، وملأ المخازن، فأين سيصرف شحنات السلاح وشحنات العواطف، إنه صنع جوا ثوريا، والثورة سوف تبدأ في أكل أهلها إن لم تجد ما تأكله. ولو تحقق له أن قضى على بعض خصومه ـ في هذه المناوشات ـ فلربما خفف من زفرات جحيم جيشه، ولو واجهه أحد في الشوارع لتحقق بعض التنفيس، فأين يسرب هذه القوة، لأن السياسة المجردة لا تسعها الآن، إلا أن يقبل وحزبه بخطة عبقرية يتجنبون فيها هياج ما اقتنعوا به من الانتصار.
وقضية القضايا هنا هي التحولات السياسية التي قد تنجح، فقد تصالح سوريا، وتستعيد شيئا من ماء الوجه، وتقطع الصلة بإيران وحزب الله ثمنا لذلك، وبهذا تحل الكارثة على إيران في حماية مصالحها في الشام، لأن المشروع الذي يقوم به البارع أردغان الآن في الصلح ـ إن تمّ ـ فسوف يدمر الكثير من المصالح الإيرانية، ويضعف طموحاتها ويعزلها، ويمتد الأتراك في الميراث الإيراني (الشام كله) بعلاقات وصلات جيدة على حساب الإيرانيين، وتضعف المقاومة المرتبطة بالشيعة في كل مكان، وأهمها لبنان، إذ لن يكون للأتراك علاقة قوية بهم؛ ليس فقط بسبب سنة وشيعة، ولكن لأن تركيا منافس كبير للفرس قديم ومتجدد في المنطقة، وترتبط تركيا مع الصهاينة بعقود وعهود لن يفرط فيها الأتراك ولا الصهاينة قريبا. كما أن تركيا تمتد حضاريا “جنس الترك” من غرب الصين إلى البلقان، ومذهبيا تمثل مذهب الأغلبية.
أما الفلسطينيون، فسوف تحاول تركيا أن توقف ـ ولو مؤقتا ـ المقاومة الفلسطينية التي كانت تتلقى دعما وتدريبا إيرانيا، ولكن خطوة كهذه، أي سقوط المقاومة المرتبطة بإيران، سوف يوحد منطقة واسعة الأرجاء سنيّة ـ إن بقي شعار السنة مرفوعا آن ذاك ـ ضد الصهاينة، أي ستحمل المقاومة القادمة شعارات الإصلاح وأفكارا إسلامية، لأن المنطقة العربية أصبحت الآن خاوية من الأفكار المضادة، فقد ذهب البعث، وضعفت القومية، وتراجع الشيعة سياسيا على الأقل، وسوف تسود أو تنتصر أفكار إسلامية تجديدية أو معتدلة، ولن تنجح إلا بشيء من القطيعة مع الحاضر.
ومما سيجعل التوجه يتسلح بهذه الأفكار الحاجة الفطرية، والتحولات في المنطقة ومحيطها، تتجه إلى هذا الاتجاه، فالصهاينة يتجهون إلى عنصرية دينية حاسمة، وهذه أوروبا يحكمها اليمين المسيحي كما لم يكن من قبل، و تركيا تقبل باستحياء أو بذكاء على استعادة هوية دينية. وهنا يعود تركيب الصراع القديم التركي الفارسي، وهذا طبيعي في حال بقاء الجمود السياسي والجهل والتبعية العربية.
وهناك خيال آخر، وهو إمكان التحالف الإيراني الإسرائيلي الأمريكي، وهذا خيار يطرب كثيرا من السلفيين والقوميين [لأنهم يشعرون بالمعابة الآن، لكون بلدانهم في حضن احتلال وتحالف إسرائيلي أمريكي فلهم شوق ولو نفسي أن يكونوا في تيار المقاومة ضد الثلاثة]، وليس هذا الاحتمال بعيدا، ولكن هذا قد يبقي العرب هامشيين زمنا، والتحالف هذا قد يتم بسبب صعوبة كبح جماح الطموحات الإمبراطورية الإيرانية، فيكون الحل معها بالتوجه لاستيعابها، ومشاركتها الثروة العربية والسياسة، وبسبب أنه قد يكون لها فاعلية من خلال الأقلية المهمة من أفغانستان إلى الشام، وقد يكون مناسبا للأطراف الثلاثة حال تراجع الحضور العسكري الأمريكي، والرغبة في إخماد الطموحات في المنطقة العربية.
وتصبح حسنات تركيا هي عيوبها وحاجز ضد نموها، فالتحولات السريعة في النمو في تركيا، والخوف من تمددها جنوبا لمجتمع محيط بها كبير، قد يألفها أكثر من إيران، وبسبب قيمها الديمقراطية والانفتاح الجذاب والتقدم الاقتصادي والمذهب المشترك مع العرب والتاريخ القريب. غير أن هذه أيضا مجازفة وتحتاج تحولات فكرية إيرانية، وتحتاج من أمريكا عدم مبالاة بالثروة في حال نمو صراع تركي إيراني قريب، بدا بعضه في كركوك، وسوف يكون الأكراد هم عامل التوازن الصعب في حالة مخيفة كهذه، وإن حدثت مواجهات، فسوف يستخدمهم الجميع.
ليس معقولا اعتبار العرب في كل هذه التحولات مجرد ثروة ومناطق نفوذ ونزاع ومهاجرين عابرين، ولكنهم وصلوا إلى حال انعدام الوزن السياسي بسبب الاستبداد الذي أذلهم واستتبع مصالحهم، وتهاوي حكوماتهم عن مشاركة مواطنيها في حقوقهم في بلادهم ومصيرهم.
والزمن القريب القادم لحزب الله وسوريا حاسم، فهل يستطيع هذا المعسكر أن يخفف من توتره مع البيئة المحيطة، أو يحيّد بعضها، ويكون ذكيا ذكاء الإيرانيين في أفغانستان، وفي العراق، يأخذ من الاحتلال ويشاركه ويخالفه؛ فيصافح ويأخذ باليمين ويطعن وبالشمال؟ أم أن ضعف الحيلة والخطابة والشعارات تدفعه لآخر الطريق، فيخسر، ويسبب سقوطه هزة وإرباكا زمنا قبل أن يستقر الوضع، والموجة القادمة إن حدثت، فيبدو أنها لا تخدم الوجوه القديمة من الطرفين، وتعد بحال أحسن على الزمن البعيد.


عدد الردود: 5 , شارك بالرد أو التعقيب
حمدان العجمي
تحليل منطقي دكتور محمد
عرفت بالموقع ليووم وساكون من المتابعين دومًا !
تقبل تحياتي
2008, 14 May
وثاب
اسمح لي يا دكتور ..
كلامك غير منطقي !!
الصراع لم ينفك في أي من جلقاته من كونه سنة – شيعة!!
2008, 22 Jun
باحث عن الحقيقه
تحليل اكثر من منطقي دكتور محمد اشكرك افدتنا وشفيت صدري ببعض الاجابات كنت ابحث عنها
تحياتي والى الامام
2008, 22 Jun
عبدالله التميمي
هذا ليس قفط تحليل و انما قراءات واقعية للقادم المخيف.
للاسف الخاسر بالنهاية هم نحن، المغلوب على امرهم من حكامهم، نتيجة القمع و التهميش ليس فقط بما يتعلق بالامور المصيريةو انما امتد التهميش ليشمل جميع امورنا، حتى التافه منها لبس لنا يد فيه.
و المحبط انك تسمع و تقراء من الاعلام التابع فتكاد تجزم ان المفاهيم تغيرت و انقلبت و اصبح الحق باطل و الباطل حق. لن يكون لنا وزن بالمنطقة و العالم اذا استمرت السياسات القمعية.فاذا لم يكن لك صوت مؤثر و فعال. فلا يوجد داعي من ان تضعه الدول بحسبانها.
كثر الله من امثالك على هذا الفكر المتقد
2008, 5 Nov
محمدالغامدي
هذه بعض مقتطفات من كتاب الحرية او الطوفان – د- لحاكم المطيري وهو احسن كتاب قراته وقد كتب باسلوب علمي موضوعي
تراجع الخطاب السياسي
أبرز ملامح هذه المرحلة ما يلي:
١- مصادرة حق الأمة في اختيار الإمام وتحول الحكم من شورى إلى وراثة
هذا التراجع هو أبرز ملامح هذه المرحلة حيث فقدت الامة حقها في اختيار الإمام
ثم ظهرت في عهد بني امية دعوى احقية الخلافة
فادعوا إنهم اولياء عثمان الخليفة المقتول ظلما وكذلك ادعاها العباسيون والعلويون وانهم من ال بيت النبي وورثته
فبعد أن كان أبو بكر يقول في أول خطبة له )إني وُليت عليكم ولست بخيركم
فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني(
وكان عمر يقول: (الإمارة شورى بين المسلمين، من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه)
وكان علي يقول: (أيها الناس، إنما الأمير من أمرتموه)
إذا بالخطاب السياسي يتغير، فيقول معاوية بن أبي سفيان:
(من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه )
ويقول ( من احق بهذا الامر منا؟ ومن ينازعنا؟) قال ابن عمر: (فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم ) وقد قال عبد الرحمن بن ابي بكر حينما ارادمعاوية ان يعهد الى ابنه يزيد بالخلافة من بعده – (إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لتردنّ هذا الأمر شورى بين المسلمين، أو لنعيد نها عليك جذعة
ثم جاء العباسيين وقالوا مثل قول معاوية ، وبهذا تراجع الخطاب السياسي عما كان عليه في عهد الراشدين واصبحت الامة مسلوبة حق اختيار الامام واصبحت الامامة ادعاء تدعى فجاء الامويون ومن بعدهم العباسيين والعلويين كل يدعي الامامة وانه هو احق بالإمامة من غيره
ماهي الأسباب التي دعت ابي بكر الى ان يعهد للأمر من بعده
هناك عدة اسباب
1- الحروب الداخلية ( الردة )
2- بدأت حروب مع الأمبراطوريتين فارس والروم
3- تذكر ما حصل في السقيفة من جدل قد لا يحسم بعد وفاته
وهكذا اصبح فعل ابو بكر حجة يحتج به كل من اراد ان يعهد للخلافة لمن بعده علما ان ابا بكر لم يعهد لولده ولا لأحد من قرابته بل جعلها شورى لمن يستحق في نظره وكذلك فعل عمر رضي الله عنه
وقد أدرك الصحابة أن اغتصاب الإمامة أو توريثها ليس من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين –والخلفاء الراشدين هم خمسة وهم الاربعة المعروفين وعبدالله بن الزبير-
وقد اجمع الصحابة على رفض استلاب الأمة حقها في اختيار الإمام
ثم اختلف الفقهاء في كيفية عقد البيعة فقد ذهب فريق إلى أن عقد البيعة لا ينعقد بطريق الاختيار إلا بإجماع الأمة كلها أما إذا لم يجمعوا على إمام واحد فهو زمن فتنة، جائز فيه الاعتزال وترك البيعة وهذا مذهب ابن عمر
وقد رجح أبو يعلى الحنبلي وشيخ الإسلام ابن تيمية وإمام الحرمين الجويني
رضا الأغلبية وجمهور أهل الحل والعقد
الا ان نظرية الاستيلاء بالقوة هي من فرض نفسها وبقيت على مر العصور المعمول بها عدا الخلافاء الراشدين ، حتى اصبحت أصلاً للوصول إلى السلطة
عمر بن عبد العزيز كان من بني امية فهل استولى على الخلافة استيلاء كما فعلها اسلافه أم برضى وشورى من الناس
لقد أحيا عمر بن عبد العزيز سنة الخلفاء الراشدين في سياسة شئون الأمة
فبعد ان قرأ كتاب سليمان بن عبد الملك بولايته للخلافة من بعده قام في الناس خطيبا في فقال (أيها الناس، إني والله ما سألتها الله في سر ولا علانية قط، فمن كره منكم فأمره إليه ) وقال ايضا ( أيها الناس، إني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم فان ابو فلست لكم بوال )
فقد رد الأمر للأمة، واشترط رضا أهل الأمصار بإمامته، وإلا اعتزلها
وقدقام بقطع مخصصات أصحاب بني أمية وأعوا نهم بل انه سمى أموال بني أمية أموال المظالم، وأرجعها إلى بيت المال
وكتب إلى أهل الأمصار كتا با يأمرهم فيه أن يكتبوا أسماء مواليدهم ليفرض لهم قسمهم من بيت المال، ويكتبوا أسماء موتاهم ليرفعها من بيت المال وقدوته في هذا العمل الخلفاء الراشدين
وقد عزم عمر بن عبد العزيز بعد أن أصبح خليفة على أن يرد الأمر شورى بين المسلمين لولا ان المنية عاجلته
ثم لم يدم الاصلاح الذي بداه عمر إذ عادت الأمور بعد وفاته إلى ما كانت عليه قبل مجيئه اذ كان عملا فرديا وليس جماعيا
ومن اسباب تراجع الخطاب السياسي
٢- مصادرة حق الأمة في المشاركة في الرأي والشورى:
فكما تم استلاب حق الامة في اختيار الامام كذلك تم تهميش دور الامة في المشاركة في الرأي حتى لقد شاع بين علماء المشرق القول باستحباب الشورى للحاكم وليس للوجوب كما قال به فقهاء اهل المغرب وهذا ما قال به ابن حزم وغيره من علماء الاندلس وقال ابن عطية (من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب لاخلاف فيه ) لقد كان فيه خلفاء وملوك في الاندلس والمغرب يحبون اتباع السنة والسلف الصالح لقول الفقهاء هناك بوجوب الشورى والمشاركة اما فقهاء اهل المشرق فقد اولوا النصوص مما ادى الى تهمش موضوع الشورى واختزله أسوأ اختزال
ومن اسباب التراجع
٣- غياب دور الأمة في الرقابة على بيت المال:
لقدتم تهميش الامة في اختيار الامام وكذلك في المشاركة في الرأي والشورى كذلك تم استلاب حقها في الرقابة على بيت المال وتنظيم الشئون الاقتصادية
فقد كان الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين هم الذين يفرضون للخليفة
ما يحتاجه من بيت المال بحسب حاجته، ولا يتصرف فيه إلا بعد مشاورتهم ومعرفة رأيهم، مع جعل مفاتيح بيت المال مع من يرتضونه وزيرا للمالية
ثم تغير الحال بعد العهد الراشدي فصار الخليفة يتصرف في بيت المال بذلا ومنعا بلا حسيب ولارقيب وأصبح له مطلق الحرية في ذلك واليكم نماذج من ذلك فقد خطب معاوية في يوم جمعة، فقال: (إنما المال ماُلنا، والفيءُ فيُئنامن شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقولته تلك فلم يرد عليه احد فلما كانت الجمعة الثالثة قال: مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد، فقال: كلا، بل المال مالنا، والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس، إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية، فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا، أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (سيأتي قوم يتكلمون فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ) فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما ر د هذا علي أحياني، أحياه الله، ورجوت ألا يجعلني الله منهم ) كما جاء رجل إلى سعد بن أبي وقاص فقال له: إني سمعت مروان بن الحكم يزعم أن مال الله ماله، من شاء أعطاه ومن شاء منعه؟ فقال له سعد: أنت سمعته يقول ذلك؟ قال: نعم.
فذهب سعد بن أبي وقاص ومعه سعيد بن المسيب والحارث بن البرصاء، فدخل على مروان – وهو أمير المدينة من جهة معاوية – فقال: يا مروان، أنت تزعم أن مال الله مالك من شئت أعطيته، ومن شئت منعته؟ قال: نعم. قال سعد: فأدعو. ورفع يديه للدعاء، فوثب إليه مروان. وقال: أنشدك الله أن تدعو، هو مال الله من شاء أعطاه ومن شاء منعه )
وقد أجمع المسلمون على أن المال في بيت مال المسلمين حق للأمة، ليس للإمام ان يتصرف فيه
ومن اعتقد بأن المال الذي في بيت المال للسلطان أنه يكفر بهذا الاعتقاد
لقد همشت الامة ولم يعد لها أي دور رقابي على اموال الامة واصبح السلطان هو الذي يتصرف في تلك الاموال بل ويستولي عيها ويظمها ضمن ممتلكاته اذ لا حسيب ولا رقيب عليه ولا دين يردعه ولا خوف من الله فالمال ماله من شاء اعطى ومن شاء منع وقد اجمع اهل العلم ان ما في بيت المال هو حق للمسلمين عامة لا للخليفة والوزراء خاصة 0
ومن اسباب تراجع الخطاب السياسي
٤- تراجع دور الأمة في مواجهة الظلم والانحراف
شهدت هذه المرحلة الثانية تراجعا خطيرا وكبيرا لدور الأمة في نقد انحراف السلطة وتقويمها
ولكن ماذا كان موقف العلماء
لقد ظل علماء الأمة وفقهاؤها في مطلع القرن الثاني يتصدون لانحراف السلطة
فمنهم من يدعو إلى الخروج عليها، ومنهم من يرى المقاومة السلبية ورفض الدخول في اعمالها كالقضاء لما في توليهم لتلك المناصب من اضفاء الشرعية على ولايتهم
2008, 9 Dec
رد على “الحرب بعد فعل الحزب 2/2”