أبا عمرو.. عجيب أنت!

1 January 2008 | 0 تعليقات

بقلم محمد أبو رمان

“عشنا زمنا طويلا من الجهل والفقر، فلما خرج منا نابغون علماء وأطباء ومهندسون ومحامون وإعلاميون عالميون، فقتلناهم في السجون، أو قتلنا أرواحهم من الخوف، حتى عمّت الكآبة والحزن على الرجولة، فلا تجد أذل من أستاذ جامعة، أو أخوف من مدرس، أو أضعف من خطيب جمعة”!

د. محمد الأحمري

***

ليس غريباً على “أبو عمرو” أن يكتب هذه المقالات، وأن يسطّر تلك المواقف الرجولية الشريفة في الدفاع عن حقوق الإنسان وعن حرية المظلومين، وأن يتبنى قضيتهم بجرأة غير مألوفة في الوسط الإعلامي والسياسي والثقافي العربي العام. لكنّ أبا عمرو هو نفسه غريب وعجب في طبيعته ومعدنه بين الرجال في هذا الزمان.

من لا يعرف الدكتور محمد الأحمري، شخصاً أو عقلاً وقلماً، فهو لا يعرف واحدا من أبرز قادة هذه الأمة الحقيقيين، ممن يعبرون عن ضميرها وعقلها في آن، فلربما أسوأ ما ابتُلي به العمل الإسلامي هذه الأيام ذلك الانفصام الواضح بين الروح والعقل، فإمّا شباب وأنصاف متعلمين تأخذهم العاطفة ويتحرقون على الأوضاع المؤلمة، فيتحركون بما تأتي مضاره أكثر من منافعه. وإمّا مثقفون وعلماء وقيادات سياسية ملؤها الخوف والجبن وهاجس “الخلاص الفردي”، فقرّرت السلامة والاستنكاف عن الإصلاح والتغيير، و”لزوم البيت”، وإمّا إعلاء مصالحها الخاصة ووضع كافة المبادئ والقيم في سلّة “الأحلام” والمثالية والزمن الجميل الغابر.

إلا أن أبا عمرو يصر أن يبقى من النخبة القليلة في الميدان يُسخِّر قلمه وعقله المليء معرفة وثقافة وخبرة ونوراً في بناء مشروع التنمية والنهضة، فيخوض حرباً على جبهات متعددة كبيرة صعبة؛ جبهة الجمود والتقليد وجبهة الحركات والجماعات التي تُغلب عواطفها على عقلها، وجبهة الجماعات التي تشتغل في علوم ومعارف وتتبنى عقائد لا تزيد الحال إلاّ قتامة، وجبهة الجماعات والمجموعات التي سارت في طريق السلطة وزماميرها.

يمُضي أبو عمرو أغلب أوقاته في القراءة والدراسة، وهو الصاحب الوفي للكتب والمجلات والدراسات. ولا غرابة أن يدشّن مشروعاً قيد الإنجاز بعنوان “مذكرات قارئ”. لكن متعته في المعرفة والقراءة، ليست ترفاً ولا هروباً من الواقع، ولا مشروعاً شخصياً لجني مال ومنصب شخصي، إنما هي للتوظيف في مشروع يحّرك أبا عمرو ويتحرك به هو النهوض والإصلاح والتنمية وشرطه الحرية السياسية الحقيقية.

دفع أبو عمرو غالياً كلفة مواقفه، ولا يزال يدفع. فمنذ كان طالباً للدكتوراة في الغرب، وهو يناضل من أجل الإصلاح والتنمية والنهضة ويدفع الأثمان. لم أر في يوم من الأيام أنّ رجولته خانته في أي موقف، ولطالما كانت خشية أصدقائه عليه كبيرة، وتكبر مع الوقت، فالرجل يصمت عندما يتكلّم الناس ويتكلم عندما يصمتون!

عاد أبو عمرو من الولايات المتحدة، بعد أحداث أيلول تحت إصرار شديد من الأصدقاء، لكن بعد أن ترك بصمات واسعة وكبيرة على العمل الإسلامي الدعوي والفكري هناك، سواء على صعيد المساجد أو المجلات أو مواقع الانترنت أو العمل الفكري والمنهجي المتقدّم.

لكنه حتى في بلاد العرب لم يسلم من سهام خصومه، من أتباع الحكومات وحتى الإسلاميين والمتحزبين، مع أني لم أره في يوم خاض معركة “شخصية”، ولم يرد على منتقد، فقد كانت جريمة الرجل في عيون خصومه، تكمن في فكره وعقله وقلمه، فبالصمت والإعراض والصبر الجميل، واجه الاتهامات والخوض فيه من كل حدب وصوب، وأتحدّى أيّا كان، أن يقول بأن الرجل ذكر أحداً بمقال أو موقف عام أو غير ذلك بسوء!

عجيب أمر أبي عمرو عندما يتملّكنا اليأس والإحباط وننفض أيدينا من وقع الحال، نسمع صوته الهادئ، وكأنه صواعق، منبهة الجميع أنّ “الطريق من هنا” لا “من هناك”!

أضم صوتي إليك يا أستاذي العزيز بالمطالبة بالإفراج عن الأخ العزيز فؤاد وأخيه علي القرني، كما ضممنا أصواتنا إليك سابقاً في محنة سامي الحصين.. فأنت يا أبا عمرو قدوة وإمام ليس للعوام فقط، إنما للنخبة والكتاب وصناع الرأي العام، فهل يسمع صوتك، أبا عمرو، مشايخ “الصحوة”.. فينتبهوا أنّ “الطريق من هنا” لا “من هناك”؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليقات

أضف تعليقا

الاسم (مطلوب)

البريد الإلكتروني (لن يعرض للآخرين) (مطلوب)

الموقع

أطلق العنان لحروفك