هنا حادثتان طريفتان لرجلين من كبار مفكري العالم الغربي، هما تشومسكي وبرتراند رسل، حادثتان تستحقان التسجيل لمساسهما بواقع المثقفين في عالمين، ونستلهم منهما مواقف رائعة لمثقفين مسلمين من السلف، وهما صورتان مهمتان في سياق الحديث عن أحزان المثقف في عالمنا العربي والإسلامي.

ذكر لي الأستاذ سامي الحصين، أن المفكر اليهودي الشهير نعوم تشومسكي - الذي يقال إنه المصدر العاشر للنصوص المنقولة في زماننا، أي إنه في قائمة يتقدمها عندهم الإنجيل وماركس - إن هذا المفكر قد أرسل رسالة إلى محامي سامي، يعرض عليه استعداده للمساعدة بالشهادة لسامي ضد الدعوى التي رفعتها الحكومة الأمريكية عليه.

وقد أدرك تشومسكي من واقع إيمانه بمسؤولية المثقف أن محاولة تجريم سامي في قضية نشر ثقافة ما، أو معلومات سوف تكون سابقة تضر بالثقافة في بلده، وفي العالم، وتحد من حرية النشر، وتحاصر حرية التفكير، وتهبط بمستقبل الحرية الإنسانية التي كانت تعاني في بلاده من قبل -وأسوأ من بعد- أحداث سبتمبر. ونعلم أن هذه الحكومة هي حكومة بلده، ونعلم ويعلم أن هذا الطالب أجنبي عربي مسلم، وتشومسكي يهودي ملحد، لكنه علم أن سامي كان مظلوما، وغريبا مضطهدا، وأن واجبه الأخلاقي أن يدافع عنه، حدث هذا في وقت ترتجف فيه أمريكا والغرب كله تحت هوس الاتهام بالإرهاب للمسلمين، وكان كل من فكّر في الدفاع عن مسلم يخاف، ومن طلب منه الشهادة ارتجف إلا النادر، وكان لهذا المفكر الشجاع أن يطلب أن يعطى فرصة الدفاع عن سامي.

في ذلك الوقت، كانت صحف عربية محلية ودولية تجترّ تهم الحكومة الأمريكية بتبعية واستخذاء، وترجمة ببغاء، وقاموا بحرمان أنفسهم وبلدهم وابن وطنهم من حق أن يعرّفوا الناس بحقيقة قصته، أو أن يقرؤوا عن الحدث كما قرأ هذا المفكر، فكانوا مضرين أو مشككين ـ بلا وعي ولا قصد ربما ـ بحكومة بلده، وبلدهم التي عينت محاميا له!!

وقد فسرت موقف أصحابنا الصحفيين آنذاك بأنه تقليد لموقفهم الدائم من تأييد كل ما يتوقعونه صادرا عن حكومة، وهذه تهمة من الحكومة الأمريكية فهي تهمة معصومة.

فلندع هذا، فكم من وطن ووطنية يرفع شعاراتها من لا يدرك أبجدياتها، وليست المشكلة في صحفي هنا وصحفي هناك، بل هي تركيبة علاقة المثقف بالسلطة أو بالقوة، وتبعيته الطوعية فضلا عن القهرية حتى لسلطة من يعاديه علنا في الداخل أو يترصده في الخارج، فما دام الخصم قويا كأمريكا؛ فالحق مع القوي، والمخطئ هو “نحن” لأننا نمثل الضعيف، هذا من جانب، والسبب الآخر ربما دفع هؤلاء؛ وهو دافع إيديولوجي؛ لأن سامي قد يكون إسلاميا. فهو وإن كان ابن الوطن ولكن سيقفون ضده، وربما يساندون خصمه، وينتصرون على ابن بلدهم المخالف لإيديولوجيتهم حتى هناك، ولو كان متهموه ظالمين مبطلين.

انهار وضع المثقف في بلاد المسلمين في عصرنا، فتراه يسعى لإرضاء الإمبراطورية الكبرى، ولو على حساب الحق والكرامة والوطن، فالمثقف التابع ينصر القوي على المستضعف والمظلوم، ويرى مجده وكرامته مرتبطة بعلو صوت طبله المؤيد للباطل، ما دام يتوقع أنه يرضي القوي، أو لعله ينال من فتات مائدة المستعمر.

ـ أنموذج لعلاقات المثقفين قديما:

كان مثقفو الإسلام في العصور الزاهرة يحمي بعضهم بعضا، فأحد العلماء أبو جعفر الأنباري لما وصله خبر حمل الإمام أحمد إلى المأمون لحق به وعبر الفرات، فوجده جالسا وسلم عليه، فقال أحمد: يا أبا جعفر تعنّيت! قال فقلت: ليس في هذا عناء، وقلت له: أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فو الله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل ـ يعني المأمون ـ إن لم يقتلك تموت، ولا بد من الموت، فثق بالله ولا تجبهم إلى شيء، قال فجعل أبو عبد الله يبكي ويقول: ما شاء الله ما شاء الله. (والتر ملفل باتون، أحمد بن حنبل، ص 125)، وهكذا تحدث معه، وثبّته وطلب منه الصمود في وجه الاستبداد الفكري.

كان العالم يقي أخاه سطوة الديكتاتور بكل ما يملك، ويفدي أحدهم أخاه بروحه؛ كما حدث عندما ما جاءت شرطة الحجاج للقبض على سعيد بن جبير في مخبئه، وكان قد شارك في ثورة القراء “مع ابن الأشعث”، وسألت الشرطة عن سعيد بن جبير، فتعالت أصوات طلابه يقول الواحد منهم: “أنا سعيد” ليفدوا سعيدا الحقيقي بأنفسهم، ذاك العالم الجليل الشجاع، فلا ريب أن يكون العالم الشجاع قد غرس أخلاقه في تلاميذه!!

وبالرغم محاولة الحجاج وأمثاله أن يدمر كرامة الناس، إلا أنها بقيت فيهم على أشدها لأكثر من قرن بعده؛ ولأن ذلك الزمن كان قريبا من عزة جيل النبوة، وقريبا من شهامة العربي الذي لم يقع تحت طباع الاستخذاء الإمبراطوري في مناطق الحكم الجديدة، التي أوهنها ظلم أباطرة الفرس والروم، ثم انتقلت الكثير من تلك الأمراض إلى المسلمين فكرا وسلوكا، وثقافة انحطاط؛ فمن يغزو أرضا جديدة يأخذ من طباع وثقافة وسلوك أهلها، وقد تسربت بقايا من سموم المدنيات التالفة في فارس والروم، وسبب هذا تهاويا لكثير من سمات العزة العربية، حتى عند المتعلمين، بتعاور المستبدين على روحها، ثم قهر القساة كالجنود الترك في زمن المعتصم وما تلاه، وبأثر الطباع الجديدة، والبعد عن نور النبوة، وندرة التجديد في هذه الجوانب.

ذكرت هذا الموقف وقارنته بأولئك الذين يتزلفون بمن يخالفهم للأقوياء، فيلوّحون لمن يخالف أخطاءهم بتهديده وبالتلميح أنهم أهل قوة، ويمتدحون الحاكم ويحاولون نفخ جوانب الاشتراك مع السلطات، لكي يستعدوها على المخالف لهم لا للحق، ولكن لعل السلطات تحارب معهم من يخالف أهواءهم، ومن يفكر بغير ما حفظوه على مدار السنين، ويتوهمون ويتخيلون كل مساس بما سمعوه هدما للدين أو ضررا بمصالحهم كما يتوهمون. فأصبحت ثقافة بعضهم جمعا للشتائم، وردا بها، فعندما لا يملك المرء رؤية ولا فكرة، يستعين بمخزون السباب الكبير، ثم يقومون وللأسف فينشرون الذم والتشهير ويحجبون الحق الذي يخالف هواهم، أو يخالف ما حفظوا قديما. ولا يفهم هؤلاء لوازم قولهم، ولا أبعاد انحرافه!!

فلنترك هذه الظلمات لأنها من دون، ولنتذكر الأعلى، ومنه خبر الإمام محمد بن الحسن الشيباني، الإمام الحنفي الشهير؛ فقد بذل وسعه لإنقاذ الإمام الشافعي من الإعدام، وكان الشافعي قد ثار على الخليفة العباسي مع تسعة من بني هاشم، فألح حتى استنقذه من الموت. لقد من الله عليه فلم يقع في يد متسلف يتزلف بدمه للرشيد!! حتى الذين قيل إنهم أثاروا المأمون ضد أحمد، فإننا نجدهم قد وقفوا مع أحمد وحاولوا إنقاذه هو وأحمد بن نصر الخزاعي من التعذيب أو القتل (فهمي جدعان، المحنة ص 276).

وهناك القصة التي أشرت لصاحبها في أول الحديث، وهي من طريف أخبار شجعان العقول في الغرب، في بدء أزمة الحرب العالمية الأولى، وهي أن الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند رسل، كان له موقف مضاد للحكومة، وشديد المعارضة لدخول بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، حتى أغضب الحكومة البريطانية في بلده، وفي فورة القضية أعلنت جامعة أدنبرة أو جلاسجو عن ندوة حوارية بين مؤيدي الحرب ومعارضيها، بحيث يقدم راسل كلمة المعارضين للحرب، ويقدم كلمة مؤيدي الحرب والحكومة مفكر آخر، وكان كل من الرجلين قد أرسل كلمته، وعلمت الحكومة بذلك، فعرقلت راسل عن الحضور بطريقة ملتوية كعادتها؛ بحيث يسمع الناس تأييد الحكومة، ولا يسمعون حجة المحتج الفيلسوف الصريح، وجاء خصمه للمناظرة، وحضر الناس، فلما علم خصم راسل بسبب غيابه تقدم أمام الجمع ثم قرأ الخطاب الذي أعده راسل المعارض، وترك كلمته هو!!

فعل هذا تضامنا مع راسل الذي حرم من حقه في إيصال كلمته، أو احتراما للموقف الفكري المخالف، أو ترفعا عن الأنانية، أو تنزيها لموقف المثقف عن أن يظهر مناصرا للمتسلطين، قل ما شئت عن هذا من سعة أفق، وبعد عن الأنانية، واحترام لحرية الكلمة، ومن تفسير للموقف الرجولي الشهم!! ألا يذكرنا هذا بالشافعي الذي ناظر أبا عبيد القاسم بن سلام، “فلم يزل كل منهما يقرر قوله حتى تفرقا، وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه وتأثر بما أورده من الحجج والشواهد”، طبقات الشافعية، ج 2 ص 159 (سائد بكداش، أبو عبيد، ص 126)، ذاك هو التجرد للعلم وللفهم، قبل أن تغلب العصابات وتسمي تحزبها علما، وتتمنى أن تجد من يكتب ويرد الحق فلا تجد، وتفلس فتنتقم بطرق كالتي ذكرنا.

والشافعي هو من إذا ناظر مخالفا له دعا الله أن يظهر الحق على لسان خصمه!! هكذا يفعل الكبار من المسلمين والكفار، ولكن الصغار لا يحتملون الحق يجاوز حزبهم، ولا يجافي شيخهم فهو المعصوم، وتراهم يشنعون على خصومهم بالعصمة، ولكنهم يمارسونها لأشياخهم وكبرائهم.

ثم يُسلم بعضهم بعضا، ولا يصون له عرضا فضلا عن مكانة، فخلاف يسير يجعل التبديع والتفسيق شعارا، والنبذ أسلوبا للتعامل، وأسوأ المثقفين من يتعالى بجهله على طريقة فرعون الذي قال عن موسى: “أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين” الزخرف 52.

التعليقات

أضف تعليقا

الاسم (مطلوب)

البريد الإلكتروني (لن يعرض للآخرين) (مطلوب)

الموقع

أطلق العنان لحروفك