عن هذه النسخة من البحث:
هذا مقال سبق نشره عام 2000م أو بداية 2001م، وجدت تاريخ كتابته بحسب برنامج ويندوز يؤرخ: “16\10\2000م” نشر في مجلة: الصراط المستقيم، وكان موضوع غلاف المجلة آنذاك، ولأن المجلة لا توجد لدي الآن فلم يكن من الممكن التأكد من النسخة المطبوعة، وكم تم نشره من المقال، كما لم أجده مصححا ولا مراجعا، ولا أدري هل خضع المقال لتصحيح أو تحرير من المجلة فكان أحسن تحريرا من هذه النسخة.
فقد وجدت أني تركت بعض فراغات تستكمل، وهوامش لم تتم، فتركتها تقريبا على حالها، لتوافق المنشور سابقا أو وضعتها بين [ ..]، وهو مشروع كتيب عن ظروف تلك الفترة، وقد راجعه الدكتور عبد الله النفيسي آنذاك بعد نشره، وأبدى بعض الملاحظات، [لم تغير هنا] وأخبرني حينها أنه سينشر كتابا في الموضوع فأجلت نشر كتابي، ولما أرسل لي كتيّبه مطبوعا عن مشكلات تلك الفترة، عزمت على توسيع البحث وأن أعود للموضوع بشكل مفصل.
وكما يرى القارئ، فإن هذا البحث منه أجزاء كانت وقتية لتلك الفترة، ومنه أجزاء فكرية وسياسية يمكن أن يستفاد منها دون زمن، ومنها إستشرافات جاءت كفلق الصبح. وقد ميزت بعضها بلون مختلف لمن يحب أن يلاحظ بعضها، أو لا يصبر على طول المقال.
* أمريكا والخليج:
قال المتنبي:
جوعان يأكل من زادي ويمسكني *** لكي يقال عظيم القدر مقصود
ويلمها خطة ويلم قابلها *** لمثلها خلق المهرية القود
وعندها لذ طعم الموت شاربه *** إن المنية عند الذل قنديد
قبل قرابة خمسة وعشرين عاما [أي في منتصف السبعينيات]، خرجت دراسة إستراتيجية في الولايات المتحدة، تتحدث عن أن العقود القادمة لن تحمل للولايات المتحدة أي مفاجآت، وبعد أقل من خمس سنوات جاءت المفاجأة الكبيرة الثورة الإيرانية، وبارت التقديرات والمحاولات الكبيرة للإمساك بعنان الشعوب وأقدارها، فالله وحده هو من يملك كل شيء ويفعل ما يشاء ويقدر، ولا يضيع عمل عامل يجد لتغيير ما به. أما الناس فيحاولون ويقدرون ويغفلون، وقد أذن الله لهم وفطرهم على البحث والمحاولة وأرشدهم لطرق العمل والحركة والتفكير والتغيير، ولكن منهم من يقف حائرا فيجعل الحركة لغيره.
تقفون والفلك المسير دائر *** وتقدرون فتضحك الأقدار
فما أحوجنا أن نغادر الوقوف، ونسعى للتفكير ثم العمل على صناعة مستقبل لنا دينا ودنيا، كما نرى الأمم غيرنا تصنع مستقبلها فوق رؤوسنا، وكأننا مواد بناء جامدة لهم يصنعون بها مستقبلهم كيف أرادوا. وعلينا أن نحدد لنا أهدافا نعمل لبلوغها. فالناس قطعان هائمة حتى تجد هدفا وغاية فتنقلب طبائعها، وتتحرك فيها طاقات ما كان يراها الإنسان في نفسه ولا أمته قبل لحظات الوعي.
في طريق البحث عن مادة هذا المقال، وجدت نصاً لأحدهم يرثي مستقبل القوة الأمريكية، ويقول: “أمر محزن ألا يكون لدينا تحد كبير، وأكبر منه أن يمر زمننا بهدوء ورغد وسهولة، إن ذلك علامة هرمنا وبعث حياة جديدة في مكان آخر من العالم!”
تلك ملاحظات قوم إحساسهم بالتاريخ السارب من اليد عميق، يتتبعون مرور الزمان، ويدرسون ملامح الحضارات وسحنة وجوهها في زمن الشباب والكهولة والشيخوخة. ويبحثون بكل جد عن وسائل تحافظ على حياة حضارتهم أشد من حرصهم على برنامج كومبيوتري جديد، أو على صناعة علاج لداء خطر.
ومسكين من يفد من عالمنا ليقرأ في هذا الكم الهائل عندهم الذي يبحث في الإستراتيجية أو فلسفة الحضارة، أو مستقبل علاقاتهم بنا أو بغيرنا، لضخامة المادة المتوفرة التي تتجاوز قدرة فرد أو أفراد على الإحاطة بها.
وقد نبالغ في تقدير قولهم ودراساتهم ونغر أنفسنا بتتبع آرائهم المتضاربة، أو قول بعضهم ضد بعض. ويخيل لنا أننا بتحيزنا لمدرسة أو فكرة نكون قد حسمنا الصراع لصالح آرائنا العاطفية.
فمرة نصطف مع شبنجلر طربين فرحين بـ”تدهور الغرب”، أو مؤمنين على قول فوكوياما: بأن العالم قد انتهى تاريخه (صراعه في التطور الفكري والعملي) عند الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية، ولم يعد للفكر مستقبل خارج هاتين الفكرتين. ولكل من الفكرتين جذورهما الدينية التي يعوزنا التحقيق فيهما. كما أننا لا نروض طرق البحث بأنفسنا، بما نعرفه من حالنا وحال غيرنا. ويلحق نتيجة لذلك، ألا يكون لنا دور في رسم مستقبل الحدث.
* حيوية على الشاطئ الآخر:
ومنذ فترة ليست قصيرة، وبعد متابعة تلك الدراسات والمقابلات الطويلة مع أو عن كتاب ومفكرين من إيران، يهتم بهم غربيون كثيرون من أمثال: يوان كول وروبين رايت، ونكي كيدي، وغيرهم.
ومجمل هذه البحوث والدراسات تتعرض لدراسة الحركة الفكرية الكبيرة التي تتفاعل في المجتمع الشيعي. ومستقبل الحكومة والشعب، الذي يضطرب بما يزيد عن مائة وخمسين منظمة أو نقابة اجتماعية وسياسية، وما يزيد عن ألف ومائة مطبوعة ما بين يومية وفصلية. وحركة فكرية لم تعشها تلك البلاد منذ قرون، وينشر في إيران ما معدله عشرون ألف عنوان، أقل من ثلث ما ينشر في بريطانيا من الكتب. وبها عدد من المجلات والصحف تنشر بطبعات عربية، مثل التوحيد والوفاق، والطاهرة للنساء، والهدى للأطفال، وجريدة كيهان تصدر يوميا بالعربي، وهناك بعض الجامعات التي تدرس باللغة العربية فقط (1)، وهناك مؤسسة الفكر الإسلامي والثقافة، تصدر عشر مجلات بغير الفارسية، وعدة سلاسل من الكتب تصل إلى نحو مائة بلد إسلامي وغيره (2) .
وهذه ظاهرة عامة في حركية الفكر الشيعي المعاصر في إيران وغيره، يقول شيخهم محمد حسين فضل الله: “إن التشيع يشهد حركة اجتهاد لم يسبق لها مثيل إلا حركة الاجتهاد عند السنة في القرن الثاني الهجري”، وهذا إلى جانب الصراع بين اليمين والوسط واليسار السياسي؛ في مجتمع أقر بمبادئ دينية أو دنيوية يراها حقا ـ حسب مذهبهم بانحرافاته ـ وهو سائر عليها أحبها الناس في الخارج أم كرهوها.
ويرى المراقبون في هذه الحيوية الفكرية والسياسية صفحة جديدة قد يكون لها أثرها على تاريخ العالم. فلم يجد مع هذه الثورة عزلها ولا حربها، ولا حصارها ولا نقدها، فهي تهرب كل يوم من يد الممسك بها. وتتلون في طريق سيرها نحو ما تريد.
وكان مما قرأنا عنه منذ نحو عام، أن هذه الثورة الإيرانية ستستعيد النفوذ الذي كان للشاه في الخليج العربي، وأن أمريكا تبحث عن شريك قوي في المنطقة. وإيران لم تعد تلك الدولة الخطيرة المتزمتة ولا ذات الموقف المتشدد في علاقاتها نحو جيرانها، وأنه يسودها الانفتاح والوضوح والتقدم في مسيرة الإنسانية، وكلمات كثيرة من الترويج لا طرف لها، مما أوحى بأن كل شيء يتجه للانفراج بين الخصمين.
وهذه العلاقات تدخل فصلا مهما من فصولها، فهي من أغرب النماذج التي تستحق البحث والتأمل في دراسات العلاقات الدولية. فكل طرف له معاناته مع الآخر، وحرصه على بقاء خطوط للتعامل، ولعل من المناسب أن نعطي صورة للأزمة في العلاقة على الجانب الإيراني أولا:
خرج في إيران منذ سنوات فيلم بعنوان: “رجل الثلج”، يبدأ هذا الفلم، كما لخصه كتاب “الخاتمية”، بإظهار ممثل ساخر وهو يقف أمام شباك المراجعات داخل السفارة الأمريكية في أنقرة، متقدما بطلب للحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، ووجه طلبه بالرفض كما يحدث لمعظم الطلبات، وأثار موقف السفارة الأمريكية حنق المواطن الإيراني، ويظهر عصبيته وغضبه، وتنفجر وطنيته ويصرخ بوجه موظفي السفارة، قائلا ماذا تريدون مني حتى تمنحوني التأشيرة المطلوبة؟ هل يلزمني أن أنظم إلى المعارضة الملكية المؤيدة لعودة ابن الشاة؟ أم لا بد أن أتحول إلى جاسوس يعمل لديكم؟ هل يجب أن أبيع وطني؟ وتتدفق أسئلة كلها تعدد الأسباب التي يمكن لصاحبها الإيراني أن تقبل به أمريكا ولا بد أن يكون ضد بلده.
وهكذا تدور بقية مشاهد الفيلم حتى اللحظة الأخيرة منه، وهي تشرح المشاعر المزدوجة والحائرة للمواطن الإيراني العادي، بين رغبته الجامحة في زيارة أمريكا وبين إصراره الدفين على المحافظة على كرامته وعزته، وشخصيته المتميزة أو الوطنية، وأنفته التي ترفض شروط الحصول على التأشيرة القاضية بأن يتحول بطل الفيلم إلى امرأة، في إشارة إلى تشويه صورة المواطن الإيراني، حتى يتمكن “تتمكن” من الزواج بأمريكي، وليربح حق الدخول إلى الولايات الأمريكية.
ويسافر بعد ذلك لأمريكا بعد أن غير جنسه. وينتهي الفيلم بأن يعود الممثل من أمريكا ويستعيد شخصيته الحقيقية. وقد عبر الفيلم بدرجة عالية من الحساسية والشفافية حقيقة المشاعر المتداخلة في أعماق العديد من الأوساط الإيرانية تجاه الولايات المتحدة، التي تشترط المسخ قبل العلاقة.
وقد أثار الفيلم مشكلات كثيرة، ورفض عرضه لمدة ثلاث سنوات في طهران، ولكن خاتمي وحزبه سمحوا بإخراجه وعرضه. وإن كان الفيلم يمثل شخصا ومعاناته، ولكنه يشرح بوضوح طبيعة العلاقة التي تريدها أمريكا من التعامل مع إيران، وشروطها العسيرة والمدمرة لكيان من يريد أن يتعامل معها من موقع إنسانيته واستقلاله، أو من خلال إبقاء مصالحه (3).
كان هذا الفلم يمثل نوعا من الرد غير المباشر على فيلم “ليس بدون ابنتي”، والذي صور الفرس والإسلام بصورة الخاطفين وغير الإنسانيين وذوي العنف والشراسة، وأن الأمريكي يصل في النهاية لأخذ حقه منهم مرغمين مقهورين، وتستطيع الأم أن تأخذ ابنتها من الأب الإيراني.
والصورة أو المشهد الذي ظهر في “رجل الثلج”، لم يعد كله تمثيلا، بل فيه من الحقيقة ما يعرفه من يراقب تزمت أمريكا في العلاقات وعجرفتها؛ ثم إن الأيام لم تلبث أن تمر غير بعيدة حتى وجدنا وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين البرايت يوم 17 مارس 2000م، تقف على شباك العلاقات الإيرانية تقدم طلب العلاقة والمودة أو كادت، وتخطب عن حضارة إيران “التي هي من أقدم حضارات العالم الحية”، كما قالت.
وتنفخ الفخر والغرور في عظمة شعب فارس! وقد وصلت هذه المحاضرة أو الخطبة نكدة للسامعين، فقد مرت بطريق طويل من التمهيد وترتيب المكان أو المركز الإيراني الأمريكي، الذي تصرح فيه بخطوتها وخطبتها الطويلة عن العلاقة العسرة. وبدأت بالمدح والقصص والاعتذار عن خطأ أمريكا في إحباط ثورة مصدق، وامتهان شعب إيران بتلك الثورة المضادة التي أعادت تحكم الشاة وأمريكا في الشعب. ثم اعتذرت عن موقف أمريكا ومحاولتها قهر الثورة ومساندة صدام في الحرب التي عدتها أمريكا حربها على الثورة.
وقد سبق موقف وزيرة الخارجية ألبريت، حملة لإعادة العلاقة قامت بها الشركات البترولية الكبيرة وعدد من السياسيين والاقتصاديين، وقد تبين أن الذي خسر حرب العزلة ليست إيران فقط، بل أمريكا أيضا.
وما ذكرته الولايات المتحدة من أنها تفتح العلاقات التجارية مع إيران حرصا على التبادل في مجالات: “الفستق والسجاد والكافيار والثمار المجففة”، ليست هذه البضائع هي كل المشكلة والمكسب، وليس نقص الفستق والسجاد في أمريكا، ولكن هناك أسباب دولية كبيرة تجعل العلاقة الجيدة والانفتاح بين أمريكا وإيران قضية إستراتيجية مهمة.
ويحمل الخبر لإيران بشائر عديدة ومخاطر، فمن البشائر إمكان حصول إيران على ما يزيد عن عشرين مليار دولار هي الودائع الإيرانية منذ زمن الشاة كما تقول إيران، وتعترف أمريكا بأكثر من النصف من هذا المبلغ. والتصدير للبضائع الإيرانية، والأهم من كل هذا النفوذ للخليج العربي بشكل أكبر، ولمناطق وتجارات تمارسها إيران بطرق ملتوية.
وقد قابل خامئني الخبر بالشك والتحذير وبعبارات حانقة، أما خاتمي فلم يقل مهما من القول في هذه المناسبة. وظهر القبول منه، والقبول الحذر من رفسنجاني، أما وزير الخارجية، فبادر للترتيب التنفيذي للعلاقة، ويبدو أن هذا هو الموقف العملي المقرر، وتبقى كلمات للإعلام والاستهلاك العام معادية عند الجهتين تظهر خلاف الحقيقة، ولكنها تساعد دائما في التحولات السياسية، ويهم وجودها للمناورين.
* أسباب للتوجهات الجديدة:
من هذه الأسباب ما هو معلن معروف ومنها ما هو مسكوت عنه أو متوقع، ولكنه مهم أيضا: فمن الأسباب المعلنة أهمية إيران في أمن الخليج “بتروله” ومستقبله، وقد سمته ألبرايت بـ”الخليج” فقط، ولم تقل: “الفارسي”، كما يغلب على الأدبيات الأمريكية، أمر “الأمن” في الخليج وهذا معلن. ثم الأسباب التجارية التي أشارت إليها.
ومن الأسباب المتوقعة التي يتحدث عنها المراقبون، وأظهرت مواقف الإيرانيين توجسهم وشكهم منها: أن أمريكا تريد بهذا الانفتاح والعلاقة: إثارة أزمة داخلية وصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران. وتأليب الحرب بين المعسكرين مما يعيد إيران إلى مرحلة التبعية التي سبقت الثورة، من خلال إثارة النزاع وعدم الاستقرار، أو سيطرة المعسكر المتغرب التابع الذي يجد لذّته في التبعية للغرب، والهرب من الدين والذات. ويكتفي بالسفور والجينز والمكدونلد ومظاهر التحلل والخذلان، كما هو مسيطر على عقول بقية المتغربين في العالم الإسلامي.
ومن الأسباب غير المعلنة في الخطاب: أزمة العلاقة الأوروبية الأمريكية والخلاف التجاري، ودخول فرنسا والصين ميدان الاستثمار البترولي في إيران رغم المعارضة الأمريكية لهذا التوجه.
* العامل الإسرائيلي وحزب الله والسلام:
أيضا هناك رغبة أمريكية في إتمام عملية السلام وإنهاء العداء والإثارة الإيرانية ضد إسرائيل وتعويق مصالحها، في العالم العربي والإسلامي ووسط آسيا الذي تشهد جمهورياته الإسلامية استثمارات إسرائيلية فاحشة في التقنية، والسياحة، والتجارة العامة والعقارات.
ومن أهم توابع الخلاص من عداء إيران لإسرائيل، الخلاص من حزب الله في لبنان، فهو عنصر إرهاق لإسرائيل، وهو مثير للعداء ولنزعة الحرب والمواجهة في البلاد العربية، ومهيج للحرب ضدها، وأثبت رغم تواضع إمكاناته أن الحل هي الحرب، وهي اللغة الوحيدة التي تفهمها وتحترمها إسرائيل. وهو الجبهة الوحيدة المفتوحة ضد اليهود في عالم العرب والمسلمين.
ثم مشكلة الجواسيس اليهود المعتقلين في إيران وما يمكن أن يلقوه من مصير؛ و بالرغم من صغر القضية الأخيرة. ولكن لإسرائيل الأولوية في العلاقات الأمريكية الخارجية. وهي قادرة على تحريك أمريكا لخدمة قضايا صغيرة كهذه.
* حلف عسكري وإنذار مبكر:
لكوهين وزير الدفاع الأمريكي رحلتان سنويتان لمنطقة الخليج والدول العربية الحليفة، قام خلال رحلتيه الأخيرتين بالتسويق لمبادرة للدفاع المشترك، تشترك فيها الولايات المتحدة ودول الخليج ومصر والأردن، لتبادل المعلومات والإنذار عن أي خطر صاروخي لحماية المواطنين. (واشنطن بوست 7 محرم 1421هـ الموافق: 11/4/2000م)، وتستعمل الولايات المتحدة صدام كخطر للترويع، وإلزام العرب في المنطقة بالطاعة لكل مشروع معروض عليهم وشراء أي سلاح يراد تصنيعه أو التخلص منه. وسكتت أمريكا الآن عن الخطر الإيراني؛ فهل ستدخل إيران في هذا النظام؟ وأين موقع إسرائيل منه؟
* مسألة الخليج العربي:
ما كان الخليج مسألة ثانوية في العلاقات الدولية منذ قرون متطاولة، ولن يكون أقل خطورة في العقود القادمة، وأغلب القوى العظمى التي حكمت العالم، كانت تجد نفسها محتاجة للمرور به، والسيطرة عليه يوم كان ممرا للتجارة في عصور سحيقة إلى زمن البرتغاليين ثم البريطانيين ثم الأمريكان، ثم ما جاء به عهد البترول من تأكيد خطورة هذا الممر الدولي الذي حسر عن ذهب أسود مغر لكل دول العالم الطامحة، أو لشعوبه الفقيرة.
وقد قامت على شاطئه الغربي أهم قاعدة أمريكية ضد روسيا في المنطقة منذ عام 1948 إلى اليوم. وقبل أن نتحدث عن العلاقات الإيرانية الأمريكية في الخليج، نمهد بمسائل تهم كل دارس لهذه العلاقة منها:
* غياب الإستراتيجية المحلية:
تتعامل القوى الدولية الكبيرة مع الخليج كـ”غنيمة Prize The”، وهذا عنوان كتاب لرئيس تحرير جريدة نيويورك تايمز سابقا دانيال ييرغن: “الغنيمة.. ملحمة البحث عن النفط المال والقوة”، وترجمه بعضهم باسم “الجائزة”، عن البترول عموما والبترول في المنطقة تخصيصا.
ويحرص الغرب على إبقاء هذه الغنيمة أو الضحية حية منتجة ومشلولة عن المقاومة في الوقت نفسه ، وأبرز ملامح هذه الخطة السلبية الكبيرة التي يحاصر بها البحث السياسي والفكر والثقافة في المنطقة، ومن أكبر المحرمات على السكان والعلماء والمفكرين فيها، بحث المسألة السياسية والاقتصادية، ويترك التفكير والقرار لمستشارين غربيين من خارج المنطقة.
والمثقفون في هذه المنطقة مضنة أن يكتبوا شيئا أو يقولوه، لأن السياسة لا تسمح به أو لا تفصح عنه، وقد لاحظ محمد الرميحي “كويتي” هذه المسألة منذ أكثر من عشرين عاما، فعندما كتب كتاب: “الخليج ليس نفطا”، ثم كتب عبد الله النفيسي “كويتي” عن مجلس التعاون بعيد إنجازه، ثم كتب محمد جابر الأنصاري كتاب: “العرب والعالم سنة ألفين”، ومجمل هذه الدراسات تربّت على الكثير من أزمات الواقع، فيما عدا ما يتمتع به النفيسي من الشجاعة في الرأي وتوافر التصور والمعلومات، غير أن بحثه اقتصر على تقييم مرحلة ومشروع المجلس ونقده، وله اهتمامات تالية عديدة. ويرى أن الخليج منطقة مخطوفة ليست لأهلها بعد!
أما الرميحي وكان كتابه معقولا، ولكنه أخيرا فقد توازنه بعد صعود الإسلاميين، فتجنى على عقله وعلى الواقع من حوله عندما تحول إلى مدافع عن التخلف خوفا من خصومه الإسلاميين، كتب مرة في مجلة المجلة مقالا يصلح مؤشرا على تحولاته من صاحب رأي وموقف إلى أن أصبح صوتا للحاشية، وزعم أنه وحزبه كانوا يطالبون بالرأي العام، ولكنه اليوم أصبح رأي العوام، فحزبه هو مقياس الحق والباطل وهو الرأي العام الصحيح مادام علمانيا تبعيا، أما لما أصبح الرأي العام إسلاميا، فقد أصبح الناس عواما! ولما خسر حزبه، اضطر أن يكون منافحا عن الفساد والديكتاتورية.
أما محمد جابر الأنصاري “بحريني”، فيختصر الأزمة في مسألة ثقافات، وينصح بأن نتعلم لغات الشرق ـ الصينية واليابانية ـ ونذهب لهـ بديلا عن الغرب ـ وكأننا إن تعلمنا اللغة الصينية وسمعنا للموسيقى الهندية، فقد جنبنا أنفسنا تهديد الغرب، بإشعار الشرق أيضا أن له عندنا مصالح، وأننا نعرف لغته ونحبه ونواليه، فهذه ثقافة استتباع للغير، ويرى ـ للأسف ـ في هذا التوجه المتلون ملجأ لأمة ولثقافة ولدين! ويصعب أن نجد أو نعرف إن كان عند المؤسسات الرسمية رؤية للمستقبل، غير ما نراه من تصريف للأمور لا شأن لهم بها.
* العزلة ليست شرا مطلقا:
فرضت أمريكا عزلة على إيران منذ أكثر من عشرين عاما، تضرر بها الشعب والاقتصاد. غير أن الإيرانيين قد استفادوا من هذه العزلة فوائد عديدة منها تكوين هويتهم وثقافتهم في فسحة من أمرهم كما يريدون، وتم تكوين دولتهم بلا تدخل من رقيب غريب، وهذه أمور لا يدركها إلا من عرف طريقة الغربيين المتواترة في هلهلة الثقافة الوطنية للأمم ومسخها لتصبح فلكلورا شعبيا قديما ميتا، واستخدام المنافذ الثقافية لزرع الشقاق والنزاع وتعدد الولاءات داخل الدول المفتوحة. وهو بعض ما يهدف له الانفتاح المطلوب الآن.
وقد واجهوا إمكاناتهم دون زيف ولا تخيل وبلا أمل من حلول يقدمها مستشارون أو سفراء. فتمكنوا من استعمال ثروتهم أو محاولة التعامل معها واستخراجها سواء كانت مادة أو عملا، وبحثوا عن رزقهم بأنفسهم كما لا تتمكن المستعمرات أن تفعل، واستطاعوا فتح الأسواق المجاورة لصناعتهم، فقد فوجئ الغرب بدخول إيران في سوق السلاح الدولية بأسلحة رخيصة وفعالية كبيرة، وبدءوا في ممارسة مهنة الغربيين القديمة التي تبدأ باحتكار السوق الاقتصادي وتنتهي بالسياسي.
فالتجارة والسياحة أولا، ثم تأتي الجيوش لحماية التجارة والمصالح القومية أو الإستراتيجية كما يقولون، كما حدث مع شركة الهند الشرقية التي تأسست نحو عام 1600م، إذ لم تتدخل بريطانيا لحمايتها ـ احتلال الهند ـ إلا بعد أكثر من قرنين. فهذه التجارة طليعة الاستعمار. وهي سنة القوى الغالبة تكررت في أماكن أخرى غير الهند وغير الخليج وشمال إفريقيا.
وقد أفادت العزلة إيران فائدة كبيرة، وأفادهم حصار العراق في احتكار السوق العراقية. ومدوا أعناقهم لوسط آسيا وبدئوا يمارسون فيها أساليب المستعمرين، دون التزامات دولية أو تبعية للقرار الغربي. وتوفر استقلال القرار مع وجود الهوية الدينية الفكرية وتقدم صناعي ـ مقارنة بالجيران ـ كل هذا صنع لهم وللتعامل معهم جاذبية بين دول العالم الثالث المستبعدة من سياق النمو العالمي في إفريقيا وآسيا، مما يساعد على كسر حواجز العزلة الدولية.
وهذا الانفتاح يعزل أمريكا ويساهم في صناعة وتقوية “السوق الدولي المتمرد” على القوة العظمى الذي تقوده الآن أوروبا ودول كثيرة حول العالم بعضها صغيرة مثل ماليزيا، وبعضها كبير جدا ويعمل على ذلك وقد لا يهمس بمراده كشرق وجنوب أسيا عموما بما فيه الصين والهند.
* الغرب ليس موقفا واحدا:
الإجمال الذي يلقيه عدد منا على أوصاف الغرب يخدعنا عن مشاهدة الأمر كما هو والتعامل مع الواقع، فالغرب يحب لنا التخلف والكفر والفسوق والفقر والعلمانية والجهل، ولكنه يبقى مضطرا للتعامل معنا مهما كنا، فللغرب مصالح متضاربة يصطرع عليها من قرون، فحرب المائة عام والأربعين عاما، و الحرب العالمية الأولى والثانية بينهم،وكل بلد يعمل لأن يسيطر على مزيد من المستعمرات الإسلامية، يتحاربون في أوروبا أو في المستعمرات لاختلاف مصالحهم. والخلاف بينهم يفتح لنا نسمة حرية وإمكان تخلص ولو يسير يجدي عندما يكون مدركا.
ولكن المسلمين والعرب كانوا مهرة في تفويت فرصهم هذه وأكبر من ضيع على نفسه الفرص صدام، فقد تمكن منه الغباء والجهل حتى خسر، وإلا فما كانت تريد فرنسا أن تبدأ الحرب على العراق إلى أخر لحظة. وإنهم وإن اتفقوا اليوم على أن يكون المغرب العربي لفرنسا وأوروبا الجنوبية والمشرق لأمريكا ولكن هناك فجوات دائما تسمح للذي يسعى للاستقلال أن يحقق مراده، وللمخلص بالخلاص، وهذا التعقيد دولي وتداخل للمصالح تسمح أيضا بعكس ذلك بازدواج التبعية والعبودية لأكثر من سيد من المتنازعين، فمن لم يوحد ربه استعبدته كل الأصنام.
* سلع اقتصادية مؤثرة في الموقف:
بترول بحر قزوين حظي في الفترة الأخيرة باهتمام أمريكي مبين، وبخاصة بعد أن أعلنت إيران عن خط الأنابيب الذي يمكنه يوميا أن يصدر 370000 برميل ومخزون بحر قزوين لا يعرف أحد كم يخزن هذا الحوض من البترول من تقديرات تقول بأن فيه حوالي العشرين مليارا وتصل به بعض التقديرات إلى 160 مليار برميل. ولكن الصين وفرنسا خرجت عن موقف أمريكا وبدأت الاستثمار وساهمت بنوك فرنسية في الاستثمار، وبعضها بدعم من الحكومة الفرنسية. ثم مؤخرا وبعد بيانات أمريكا الودية أعلنت إيران اكتشاف حقول الغاز وبكميات هائلة.
* وأخرى سياسية بين إيران وإسرائيل:
هناك حزب الله في لبنان، والذي كان يمثل في خطتهم حلقة في الجبهة الشمالية الغربية للعالم الشيعي الموعود، والذي كان يفترض أن يقيم حكومته في لبنان، ويتصل نفوذه بالشيعة في سوريا (4) والعراق وإيران ولتقوم دولة عظمى من باكستان إلى لبنان. وقد خابت كثير من هذه الآمال، وقد صرح بها أبو الحسن بني صدر، وتحدث عنها حزب الله في منشوراته. أما وقد فشل المشروع نهائيا أو مؤقتا فلن تبيع إيران الحزب رخيصا، ولا بثمن بخس لأمريكا أو لإسرائيل، ولكن لا بد لإيران أن تترك نفوذها العسكري في لبنان، لهذا سوف تحرص على المقايضة بينها وبين إسرائيل، ربما بالقوة العسكرية لحزب الله، وقد يكون لحزب الله مستقبل آخر بحيث يتحول عن دوره الحالي وأسلوب مواجهته ليصبح منظمة سياسية وثقافية وأعمالا دعوية أو خيرية، وسيسبب هذا التغيير أثرا كبير على مسألة توازن المذاهب في لبنان والوجود الشيعي فيما جاورها. وليساهم مستقبلا في إستراتيجية أوسع.
وحين تخرج إيران من جنوب لبنان “حزب الله”، فهل تقبض ثمن مغادرتها لجنوب لبنان نفوذا أكبر في الخليج؟ نشرت جريدة هارتاز يوم الأربعاء الخامس من إبريل 2000م، نقلا عن وزير العدل الإسرائيلي يوسي بلين أن على إسرائيل أن تعيد النظر في علاقاتها مع إيران في ظروف التغيرات التي حصلت في إيران، وفي جو إمكان السلام مع سوريا، وأشار إلى التحسن في العلاقات الأوروبية الإيرانية، وأشارت الجريدة أن وزير الخارجية ديفيد ليفي وغيره يشاركون بلين الرأي، وإن لم يعلنوا ذلك.
وكانت إسرائيل تعد إيران عدوا، أما اليوم فيعدونها “تهديدا أمنيا” وكما رفع خاتمي شعار (الإنسانية وعدم العداوة بين الشعب الأمريكي والشعب الإيراني ولا عداوة بين الثقافتين) أعاد بيلين القول فيما يتعلق بالعلاقة بين إسرائيل وإيران بما يكاد أن يكون نص كلام خاتمي ونفى العداوة بين الشعب الإيراني والشعب اليهودي. وزاد قوله: “ولنا مصالح مشتركة في المنطقة”. وهناك تداخل كبير بين المصالح الإسرائيلية والإيرانية في الخليج قد لا يكون أهمها الغاز.
أم سيكون ثمن حزب الله مقابل نفوذ في وسط آسيا؟ وقد ألمحت أمريكا سابقا إلى أنها قد تتخلى عن النفوذ في وسط آسيا، والأدلة على عكس هذا القول. وأعلن مفكرون يهودي (برنارد لويس) له علاقة قوية بأصحاب القرارات، من منصة سياسية مهمة مجلة الشئون الخارجية (5)، أن الجمهوريات الإسلامية مما يدخل مستقبلا في الشرق الأوسط، وفي دائرة نفوذ إسرائيل! ووسط أسيا من مناطق النزاع القادمة والتي قد تسوى فيه بعض العلاقات بعد التسوية في لبنان. وإيران لن تكون خارج هذه التسويات. وهي مرشحة لدور هنا أكثر من تركيا كما سيأتي.
* الخروج من الخليج أم المشاركة؟
تتحدث بعض الجهات التي تصنع القرار عن مشاركة إيران في أمن الخليج، وأنه طعم سيقدم لإيران في الوقت المناسب، وقد تعامل البريطانيون مع إيران الشيعية ذات يوم لإبعاد شبح الوهابية عن الخليج، فهل كانت بريطانيا تهتم بسلامة الاعتقاد؟! ثم لما خرج البترول في عبادان تحالفت مع الكعبيين السنة في عربستان لإبعاد الفرس أو كما قالت الهرطقة الشيعية من المنطقة!
وقد تحالف الغرب مع مسلمين في المنطقة وخارجها لرفع شعار التضامن الإسلامي ليكون حاجزا ضد الشيوعية، والقومية والبعث. وتحالفت أمريكا مع الخليج لإبعاد خطر الثورة عن الخليج، ومع العراق للقضاء على الثورة الإيرانية، ثم اتفقت مع إيران على عدم التدخل في العراق ، عندما أرادت أمريكا إخراجه من الكويت وتدمير العراق. وكانت إيران مشلولة وقتها عن المشاركة، بعد الحرب العراقية الخليجية الأمريكية عليها، وفي الحرب التالية بين العراق وأمريكا كان واضحا قبل بدء الحرب أن الفائزين الوحيدين في المنطقة هما إسرائيل وإيران. وأن الحرب ستدمر اقتصاد دول الخليج وتحل بها البلاء.
* “الحرب الطيبة”:
وكانت حرب الخليج الأخيرة : 1991م من أربح وأحسن الحروب مكاسبا في تاريخ الولايات المتحدة اقتصاديا، وأمدت الرخاء في أمريكا مما لم يحدث لها منذ أكثر من خمسين عاما (6) .
وفي العقد القادم لا بد أن يساهم الخليج في استمرار الرفاه للشعب الأمريكي لزمن جديد، فكان من بوادر ذلك الصفقة الأخيرة مع الإمارات بثمانية مليارات دولار لثمانين طائرة ف 16.
وفي رحلة كوهين الأخيرة في بداية محرم 1421هـ ابريل 2000م، نشر وزير الدفاع الأمريكي الرعب من حروب كيماوية وجرثومية، مشيرا إلى أن على الخليجيين أن يبادروا بشراء هذه الأسلحة، في عملية استنزاف اقتصادية مستمرة، فما أن يشترى سلاح إلا ويظهر آخر، ففي اليوم الذي أعلن فيه خبر شراء الإمارات كانت إذاعة “إن بي آر” الأمريكية تتحدث عن ضرورة أن تنتج الولايات المتحدة سلاحا جديدا متقدما عن السلاح المباع الذي قد يقع بأيدي خصومها، فهي الآن كما يقول المعلق في “سباق مع نفسها” في هذا الميدان، وستنتج أسواق السلاح موديلات جديدة “كالسيارات” وعلى الزبائن أن يشتروا ويصونوا مالا يمكنهم استخدامه.
وفي تعليق لأحدهم على شراء دولة البحرين لطائرات الـ:” ف 15″ قال إنها بمجرد أن تقلع تكون قد خرجت من حدود الدولة! وعليهم أن يشتروا. وبعد زيادة كوهن تعهدت السعودية بشراء دفعة جديدة من السلاح وإعادة لمبلغ أكثر مما حصلته السعودية من ارتفاع أسعار البترول؛ فهناك مستوى من الإنهاك والفقر يجب أن تغرق فيه المجتمعات الإسلامية مهما كان دخلها، يقابله مستوى رفاه للعمال والمصانع الأمريكية لا بد من الحفاظ على زيادته وتطويره.
وأمريكا عندما لا يعجبها تصرف الخليجيين أو مماحكتهم، لا تبالي أن تحرقهم كما أحرقت بريطانيا الشارقة ثم عجمان، وكما أحرقت فرنسا الجزائريين، فهذه المستعمرات ليس لها قيمة إلا ما تضخه في بنوك وبطون المستعمرين الكبار. وما يخشاه الخليجيون من عودة الحراسة الإيرانية يبدوا وكأنه أمر لا بد منه.
ولكن خطر إيران اليوم أكثر من ذي قبل أيام الشاة، فالجديد هو أن هناك فكرة أو عقيدة دينية شيعية جذابة لشيعة الخليج وزارعة للولاء واختراق النظم المحلية، وهناك فكرة سياسية ومذهب حريات وديمقراطية تخرب الهدوء والوداعة السائدة في الخليج، وتزرع بذور القلق والبحث عن نظم ذات احترام وتمثيل شعبي ومشاركة في صياغة القرار. وهذه عوامل لم تكن موجودة من قبل يوم كان الشاة موجودا كحارس مؤذ ولكنه كان مقبولا، لأنه علماني بلا دين.
* تصورات قديمة جديدة:
خرجت بعد نهاية الحرب الأخيرة 1991 م عدة توقعات ومشاريع مستقبلية للخليج منها رؤية كيسنجر التي نشرها عقب الحرب في مجلة نيوزويك عن ما بعد الحرب وكان منها: أن أمريكا سوف تخرج أولا من شرق آسيا ثم من أوروبا، ثم يكون الشرق الأوسط آخر المحطات التي تخرج منها خارج الأمريكتين. وقال إن إسرائيل لا بد أن تشارك في خير المنطقة وثروتها، ولعله يريد أن يتحول عبء أمريكا ودافعي ضرائبها من مساعدة إسرائيل المادية مباشرة إلى أن تفتح لها أسواق الخليج والعرب ، وان يشتري العرب مصنوعات إسرائيل من كمبيوترات وتقنية وأسلحة. وتنعم أيضا بسهمها من بترول وغاز عربي رخيص قد تتنافس دول عربية في توفير الغاز لإسرائيل.
ويقول كيسنجر إن أمريكا سوف تشغلها أمريكا الجنوبية عن العالم الخارجي مستقبلا. ولكن توسع الناتو رغم سخط الانعزاليين من اليمينيين الأمريكيين أمثال “بيوكانن” يرد تصورا كهذا.
ثم إن الخليج إلى الآن لا يكلف كثيرا فمعظم تكاليف الحماية الأمريكية مدفوعة محليا، تدفع تكاليف القوات البرية كاملة ونصف البحرية. ولكن القوات الأمريكية غير مرتاحة من الوجود هناك، وهناك سخط شعبي، وضيق ديني، وحملات مواجهة يسمونها إرهابا تزيد مع تزايد الأزمات الاقتصادية والخلقية والسياسية. وهذا يزرع عداء لا تريد أمريكا أن تخرج به، ولا أن يضرها الآن ولا مستقبلا ولا تتكرر المزعجات التي حدثت في عام 1995م وبعدها.
* إستراتيجيات أغرب:
كُتبت ثلاث دراسات أخرى صدرت من مواقع مهمة عن باحثين في الخارجية وفي مجلس العلاقات الخارجية الذي يصدر مجلة الشؤون الخارجية تتوقع أن يكون في الجزيرة العربية ثلاث دول السعودية واليمن وعمان، بحيث يكون هناك يمن واحد ـ والبحث منشور قبل توحيد اليمن ـ وعمان تدخل فيها الإمارات. أما السعودية فسوف تحتوي الكويت والبحرين وقطر (7) .
هذا التصور يصنع منطقة أقل تكليفا أمنيا وعسكريا وأسهل للتعامل دوليا، وتمثل مواجهة ممكنة مع إيران أو العراق وقت الحاجة.
ومن المهم أن نعلم أن هذه عمليات اختبار أو إثارة، قد لا تعني ما ينشر فعلا، فحرية التفكير والجدل في المستقبل عند الغربيين تجعلهم يبحثون أبعد الاحتمالات وأقربها ويدرسون البدائل الممكنة، ويعدون لها الحلول الأنسب، حتى لا يفاجئهم حدث.
*هل تغامر أمريكا بإعادة إيران للحراسة؟
الذي يبدو أن ذلك ممكن جدا، فأسلحة إيران لهذا العمل هي: دولة منتخبة قوية، وسلاح كاف ويمكن إغراؤهم بالمزيد من الغرب، هامش عربي في الخليج متعب للغرب بإزعاجه وكلامه وصراعاته الصغيرة التي ليس وراءها شيء. وأمريكا تبحث عن التعامل مع دول إقليمية قادرة على تولي مسؤوليتها، وإن شاركتها في المغنم والمغرم.
وهناك عوامل مؤثرة سوف يكون لها أثرها المستقبلي على العلاقة بين إيران والولايات المتحدة منها:
حدود التدخل الأمريكي في الوضع الداخلي لإيران، وقد وعدت وزيرة الخارجية الأمريكية بعدم التدخل في السياسة الداخلية واحترام الموقف الإيراني من قضاياه، ولكن هذا أمر مستبعد أن تفكر فيه أمريكا وهي التي ما فتئت تحرك الصراعات الداخلية في الدول كما تريد.
علاقات إيران الخارجية وأذرعها الشيعية القوية، وبخاصة في مستقبل العراق ومستقبل حزب الله، وحدود النفوذ في الخليج. وهذه من وجوه النزاع بين الطرفين. فبقاء صدام يعطي فرصة أطول لمعرفة وتحديد البدائل المناسبة، وهو الآن خير نظام مرغوب للغرب، ولا شك أن إيران أيضا قد استفادت من بقاء صدام على هذا الحال، وعدم مجيء غيره.
ليس هناك من حال لا يحول فقد أعدت إيران للمستقبل العراقي بعد صدام ورسخت أقدامها في العراق خلال هذه السنوات العشر التي تلت الحرب بطريقة لم تسبق أن تيسرت لها وأصبح البديل القادم إيراني الهوى غالبا كما تقول أكثر التوقعات. وأمريكا تتعامل مع حقائق الواقع التي لا نرجوها بهذه الطريقة ولكن البلدان السنية المجاورة أضاعوا العراق ومستقبله بخدعة “علمانية المستقبل العراقي”.
الصيف ضيعت اللبن ولكن بقي..
بعد استسلام العراق تتابع العرب الخليجيون وحتى من قبل الهزيمة في البحث عن البديل المستقبلي، فزعمت أمريكا أنها سوف تعطيهم عراقا علمانيا متغربا صديقا وموثوقا! وبعد عشر سنين لم يتغير شيء ولم تأت العلمانية العراقية الأمريكية، وبقي صدام وشبحه مخيماً والاستغلال والحرب قائمة.
بل الذي حدث أن إيران مدت أيديها لطلاب الحوزات وللسياسيين الشيعة، وفتحت جامعاتها ومعاهدها ومدارسها لشيعة العراق وأقامت حركة سياسية ودينية وزرعت الولاءآت في كل مدينة، ولما هددت أمريكا بضربة نهائية لصدام مرة أخرى في عام 99 هرب عدد كبير من سكان بغداد إلى القرى السنية لأنهم رأوا أن الشيعة سيأخذون بغداد حال حدوث أي اضطراب. فهم القوة التي أمر أمرها وعظم شأنها في عهد صدام الأخير.
أما العالم السني المجاور للعراق، والذي يمثل العراق عمقا وامتدادا لعشائره وقبائله ولدينه، فقد ترك ما بيده من إمكان صناعة مستقبل العراق، أو المساهمة في صناعته، كما ينفع المنطقة عموما، ويفيد السنة في العراق بخاصة، ويرسخ مستقبلهم المنشود، فقد كانت دول السنة المجاورة تملك أن تفتح الجامعات والمدارس في الداخل أو على الحدود العراقية للشباب السني العراقي الذي كان يهيم بلا مأوى ولا استقرار، حتى تشردوا أو رحمتهم أمريكا وكنائسها واستقدمتهم، وكان بالإمكان أن يكون لهم مأوى وعمل وبناء مستقبل سياسي وثقافي كبير في بلدهم.
ولكن للأسف، فقد راهن الخليجيون بإلحاح غيرهم عليهم وبتوجهات النافذين على انتصار شراذم العلمانيين المتغربين، وأبعدوا الإسلاميين وأرهبت أمريكا قلوبهم من أن يقبلوا السنة في أي من جبهات المعارضة، وقد تحدث أحد كبار وزراء الخارجية الخليجيين عن توجيهات خارجية تمنعهم من القبول بإسلاميين في أي بديل لصدام أو التعاون معهم. فكانت كل الجبهات المعارضة لصدام مرحبا بها ولو كان الحزب مكونا من رجل وامرأته فقط، وكثيرة هذه الأحزاب الصورية والمخادعة التي تتلقى مساعدات ومعونات سياسية ضخمة من الدول العربية ومن الغرب. وهي لا تقدر على شيء في العراق مهما قل. وعدد هذه الأحزاب يزيد عن ثمانية وعشرين حزبا معارضا أو مرتزقا، وربما زادت الآن كثيرا. واستبعدت مجموعات إسلامية كبيرة ومعتدلة من أن يكون لها وجود في مستقبل العراق، رغم وجودها واعتدالها وتاريخها الطويل. ولم تكن هذه المجموعات أيضا حريصة على أن يكون لها مكان في معارضات مصطنعه بلا وجود.
أما إيران فقد أحيت الأحزاب الدينية الشيعية، وأوجدت أحزابا جديدة مهمة، وقادة المعارضة الشيعية أغلبهم في إيران وفي داخل العراق، وصوتهم وتهديدهم عال، والحكيم والبياتي من الوجوه التي قد يكون لها أثر في مستقبل العراق القريب.
*والذي بقي:
أما الذي بقي فهو الخروج من الوصاية الأمريكية على طريقة التعامل مع العراق، وقبل ذلك مع مجمل السياسة. أو التفاوض معهم بما يعطي هامشا للحرية السياسية في التعامل مع المسألة العراقية، وهذه الدول المجاورة في الخليج لو صدقت مع الله أو حتى لو صدقت مع مصلحتها لما تابعت الغواية الأمريكية في تحديد مستقبل علاقاتها مع العراق.
فالجزيرة والعراق ليستا مما يمكن لأمريكا أن تكون حائلة بينهما طوال الزمن، ومصلحة الجزيرة في عراق سني إسلامي. وأي دولة علمانية قائمة أو موعودة فهي مهددة بدولة دينية بديلة إما سنية أو شيعية.
وإن الإسلاميين العراقيين إن لم يحكموا، وإلا فإنهم على الأقل سيكونون عمقا إستراتيجيا مواجها للنفوذ الإيراني، فكبوة العراق قد لا تطول، ولن يكون العراق صداميا للأبد، ومستقبل الخليج السني يعتمد كثيرا على استقرار وسنية وقوة العراق مهما تكن هناك من خلافات، أو مشكلات حاكم سيكون عابرا مهما طال حكمه أو أثره في العراق أو خارجه. وسنة العراق اليوم وتاريخيا هم أقرب أتباع الإمام أحمد عقديا. وناصروا التوجهات السلفية وتبنوا نصرتها وتوجهها في الشام والجزيرة.والآلوسي أحد النماذج المهمة لهذا التوجه، كما أن الإخوان العراقيين المتأخرين أكثر تسننا من إخوانهم في مناطق أخرى عديدة.
* موقف الأمريكيين من العلاقة:
ينصح مفكرون كبار الحكومة الأمريكية ومنهم من قضى خمسة وعشرين عاما كجاسوس في إيران، وأجاد الثقافة ويتربع على مؤسسة مهمة تصنع أو تشارك في صناعة القرار، ـ وكتب أحد أهم الكتب عن الثقافة والشخصية الفارسية ـ يرى أن العلاقة الجيدة الصريحة والمنفتحة مع إيران هي التي ستعيد للخليج استقراره. وهذا ما ينسجم مع مبدأ سابق جرى تحريره والحديث عنه مباشرة بعد استسلام العراق وهذا المبدأ يقوم على أسس منها:
أولا: ضمان استمرار المصالح الأمريكية ويسرها، وعلى رأسها البترول رخيصا، وضمان أمن إسرائيل.
ثانيا: أن تكون علاقات أمريكا مع الدول القوية في المنطقة، وتجمع قواها الدبلوماسية والإستراتيجية في مراكز قليلة، ولا تبذر قواها المالية والسياسية والعسكرية مع الهوامش الضعيفة، التي تتعب أصحاب القرار الأمريكي بتعقيد وتفصيل إداري، وطقوس دبلوماسية ومشكلات داخلية وخصومات دولية عديدة لا فائدة منها،وتستنزف العلاقة معها وقتا وجهدا وربما مالا طائلا. ولهذا فأمريكا يهمها قيام علاقة قوية مستقرة وآمنة مع أحد الأطراف في الخليج، يقمع نيابة عنها، ويروج لها، ولا يفاجئها بمغامر مجهول في ليل ولا نهار، ولا يتطلع لأكبر من دور الحراسة، بحيث يكون مستوعبا لدرس نورييجا ـ في بنما ـ ودرس صدام. ولا بأس بأن يكون لهذا الحارس نصيبه من الغنيمة، كما تفرض حقائق الجغرافيا السياسية ومبدأ المشاركة.
ثانيا: هناك ملامح أصبحت واضحة لإيران وملامح لم تحسم بعد، لأن الثورة لم ينته موسمها، ولم تتحدد الكثير من معالم التكوين القادم، وإن هناك ما نستطيع أن نسميه ثوابت فيما يبدو، أقرتها الثورة وانتصرت فيها، مثل: إسلامية الهوية للشعب والدولة، هذه مسألة لم تعد منطقة نقاش في الشارع ولا في هوية الأمة، ويخدع نفسه من يفرق بين الليبرالي والمتدين في هذا فالليبراليون الإيرانيون على عكس من يحملون هذا الاسم في الغرب ومن تبعه من بلاد المسلمين، يقرون ويؤيدون إسلامية الحكومة، وهويتها الدينية.
الديمقراطية أو الشورى أي اختيار الشعب لحاكمه النابه المرضي مسألة أيضا حسمت إلى الآن.
استقلال القرار من النفوذ الغربي أو غيره، وهذا من أهم أسباب الانفتاح القادم.
انتهاج بناء الدولة الغنية والمسلحة، والتي نفعتها العزلة والحصار والحرب في المقاومة ورغم كل الجهود الأمريكية للحصار والمحاولات لهدم الثورة ولكنها استقرت واستمرت واستطاعت أن تحول الكثير من السلبيات إلى إيجابيات.
أن القوى والفئات السياسية في إيران أصبحت جزءا من حكم شعبي متآلف لأنه يمثل الغالبية، وهو مرضي من قبل هذه الفئات غالبا.
الثقة التي أولاها الشعب للحكومة وللممثلين المنتخبين تدل على نهاية وهم إسقاط الثورة بقوة غاشمة من الخارج، أو بعميل من الداخل.
* لماذا المبادرة؟
لا ننسى أن أمريكا يهمها أمران: القوة في التفوق العسكري بيد والتفوق الدبلوماسي والمالي باليد الأخرى، ولا يكفي أحدهما عن الآخر. وتعمل لضرورة بقائها وتفردها بهما، وقد استطاعت إيران رغم فقرها أن تبني قوة عسكرية، وأن تبدأ تصدير السلاح، وأن تجد في أواسط آسيا وفي إفريقيا وفي الصين مناطق للتبادل التجاري، أشعر أمريكا بأن هؤلاء القوم يقتطعون قطعا من السوق كل يوم.وأن العزلة لم تحطمهم ولم تنه دورهم ووجودهم، بل تجاوزوا حواجزها نحو آسيا وأوربا وإفريقيا.
وبقاء الموقف الأمريكي هذا، يعطي لأوروبا والصين نفوذا اقتصاديا وسياسيا كبيرا قد لا تستفيد منه أمريكا في القريب وقد يضر جدا بمصالحها مستقبلا. فهذه الشركات الفرنسية تأخذ عقود البترول والطعام، وأمريكا لا تملك إلا محاولات تعد بفشل كبير مستقبلا، فهذا السلام والهدوء الدولي لا يبشر القوى الدولية القديمة “أمريكا” بالخير القادم، فهو غالبا وسنة تاريخية: “هدوء يصنع الخروج من التاريخ للقوى الكبرى.”
ولكن المستعمرات لا تراه، فهي مبهورة بشمس الغرب التي قد تكون غاربة، والمستقبل تبنيه قوة أخرى لا تتنفج بقوتها ولا بعملها. وقد كان كرستوفر وزير الخارجية في الإدارة الأولى لكلينتون يقول “أهم ما عرف في عمله أن أمريكا أقوى –لعله يريد في عيون العالم- مما تظن” فالمهابة والخوف المسيطر على العالم جعلهم يبالغون في قوتها.
وعامل آخر مهم هو التطور الذي قد يحدث للقوة الإسلامية في وسط آسيا وحوادث الشيشان مؤشر مهم وما يمكن أن تجلبه هذه من مشكلات منها نشر الجهاد ضد المستبدين في المنطقة. فيتحدث تقرير الاستخبارات الأمريكية بصراحة عن مخاطر انتشار المجاهدين الشيشانيين وأنصارهم للجمهوريات الإسلامية وزعمائها مما يهدد حلفاءها ويهدد استثماراتها البترولية ونضيف أهمية الاستثمارات الإسرائيلية في المنطقة.
وقد افتتحت السي أي أيه وكالة الاستخبارات الأمريكية مكاتب جديدة في أغلب العواصم المسلمة في وسط آسيا، وتحدث رئيسها محذرا من الخطر السني المتطرف على هذه الدول وعلى المصالح الأمريكية من أفغانستان والشيشان! ولم يذكر إيران.
ومع هذا، فلا تثق أمريكا بعد بالثورة تماما ولكن المؤشرات والنداءات تقول الآن أن هذا الموسم آت قريبا. فانتصار خاتمي ثم تأييد هذا بالتوجه الجديد يجعل إيران تتجه لعلاقة جيدة مع الغرب بادر بها خاتمي تحت شعار حوار الحضارات، ويغازل غربيون كثيرون إيران، ففرنسا محافظة على علاقة خاصة وألمانيا أيضا، والدول الصغيرة في أوروبا.
* النفعية:
في إيران حاكم نفعي عملي “خاتمي”، ويرى أن من المهم أن يقوم للنفعية سوق قوي وأنصار وزملاء وتلاميذ، وهم ناجحون إلى الآن في توجيه مدرسة حملة خاتمي، فمن قراءة كتابيه المنشورين بالعربية (8)، وكتاب “الخاتمية” (9)، الذي يمثل هذا التيار يتبين هذا النفس المتملص الذي يعرف ما يريد ويسعى له ويسخر لهدفه الدين والفلسفة والعلاقة والثورة، وعنده براعة في استخدام هذه المتناقضات، وتسخيرها لاستمراره ولاستمرار توجهه وأنصاره في الحكم.
وهذا يمثل مرحلة جديدة في صعود الثورة نحو مرحلة أقوى وأكبر وأخلد في التأثير، أو سقوط مريع لهذه الجبهة، على عتبة الصراع الفكري. وقد كان الغرب يحاول في الماضي أن يسقط الثورة من خارجها ولم يستطع فهناك محاولة لإسقاطها من داخلها اليوم، باللعب بالصراع من داخله، أو فهم ما يتم والتعامل معه.
*من مأمنه يؤتى الحذر:
يتحدث خاتمي عن الانفتاح والحوار مع الحضارات وعينه على رغبات المتشوقين للانفتاح من الشباب الناخبين في الداخل، وعلى رضا أمريكا وغيرها في الخارج. وأمريكا سوف تفتح أحضانها لو جاءها، وتعطي المال الإيراني المحجوز في بنوكها، وستكون أمريكا أسعد لو اقترضت إيران من البنك الدولي، أو قدم لها البنك أي تسهيلات لمشاريع إنمائية واقتصادية كبيرة، ثم تدخل في ظلمات القروض وينتهي استقلالها.
إن الدولار سوف يبذل رخيصا لهم لو جاءوا، ولكنه سيكون ثمنا لما هو أهم منه، وسيكون آخر عهدهم بالاستقلال والحرية.
والجيل القيادي يعي هذه الموازنة، ولكن الناخبين المؤثرين قد لا يعونها، وهذه من الصعوبات التي يواجهها أي نظام أو شعب طموح للكرامة والاستقلال في العالم الإسلامي في هذا العصر فماذا يصنع أمام بريق قوة دولية علمية مؤثرة، مسلحة ببريق السلاح والعدل والمال وشعوب العالم الإسلامي التي تنظر لنفسها فلا ترى إلا شعوبا أهلكها الاستبداد والجهل، وتعيش يومها قلقة بين دينها وهويتها وبين تبعية استعمارية مدمرة. لا ترضى بغير طريقها طريقا: يقول مدير الاستخبارات الأمريكية جورج تنت: “كلما زادت قوتنا زاد الخطر علينا، نحن أقوى دولة في العالم، لكننا معرضون للخطر من الذين يختلفون معنا في المصالح والعقائد والقيم الأخلاقية” فإذا إنتفت هذه الموانع رضيت عنكم أمريكا! قال تعالى:” ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” ولكن حتى لو تحقق هذا فلن يرضوا كما يقول هذا المدير.
ولن يكون المنفتحون الإيرانيون أرضى لأمريكا إلا عندما يكونوا خيرا لها من بدائل أخرى، أو تكاليف أكبر.
* سيرة أمريكا مع أصدقائها:
لم تبال أمريكا ولن تبال مستقبلا في خذلان من يرون أنفسهم أصدقاءها، فإن تبينت مصلحتها ذهبت معها فسياستها سياسة مقودة بمصالح مادية،وليس للدين والخلق فيها موقع كبير، وأصحاب التوجهات الدينية المحاربون في الكونجرس أو غيره مدفوعون برغبات ناخبين متدينين، والدين لحماية المال والقوة، والضغط على المسلمين لأسباب دينية ظاهره معه أيضا رغبات استعمارية كامنة أو ظاهرة. فها نجد أن الكنيسة أو البعثة العربية التبشيرية هي التي قادت أو سهلت طريق أمريكا لبترول الخليج. والشركات الأمريكية الكبرى تقود الحكومة الأمريكية بالقوة لحماية مصالحها ولفتح الأسواق الدولية لها. فالشركات هي التي تصنع الأسلحة وتمون الحكومة والجيش وغيرها. والصداقات مع أمريكا تخضع للمال والقوة أولا، ولا يرون فيها ثبات فهي تموج موج المال.
والأصدقاء عليهم إدراك ذلك فحين انتهت صلاحية الشاة ولاح في الأفق بديل آخر أيدوه. ولم يفوا للشاة لحظة واحدة، ورموه من عرشه، فهرب لهم يمد يديه يستجدي منهم أن يبقوه في المستشفى في نيويورك ولا يستجيبون، وهو الذي كان يدمره السرطان والخذلان، وزوجة الشاة التي كان يهتز لمكالمتها البيت الأبيض تقول كنت أحاول الاتصال بالبيت الأبيض فلا يرد علي أحد، ويتجاهلها حتى السكرتارية الصغار، ويقول لها موظف صغير في المستشفى في نيويورك: أخرجيه “يعني زوجها الشاة” فليس عندنا له مكان!! المستشفى عندنا مزدحم!! لقد ضاقت أمريكا، به وضاقت الدنيا عن أن يكون له فيها سرير يموت عليه، ثم يقذفونه للمستعمرة بنما، ثم يهرب منها خائفا ليستقبله السادات جثة مؤذية لمصر ولعلاقاتها، ولتزيد مصر في تاريخها فرعونا ميتا مستوردا.
إن أمريكا تخضع كأي قوة لمن له هدف وغاية، وعنده ما يقوله وما يفعله وإن كان في جزيرة صغيرة جدا مثل “كوبا”، ولكنها تغالي في إذلال الضعفاء الجاهلين الخائفين، الهائمين على الدروب، بلا دين، ولا قيمة، ولا فلسفة للحياة، وإن كانت بلدا كبيرا مصر أو إيران الشاة أو البرازيل. وتذل الذين يعبدون أنفسهم وشهواتهم، لأنها بضاعتها السهلة الرخيصة المصدرة، والمتوفرة لدى كل ضعيف، ووسيلتها لهدم الشعوب والقيم.
وجاء دور مجاهدي خلق وبدأ التلميح ثم التصريح باعتبارهم مجموعة إرهابية، وهي المجموعة التي إحتفلت بها أمريكا وحلفاؤها سنين وزودتها بالمال، والتدريب، وبنت لها مؤسسة إعلامية قوية ومدربة. وتلقت مساعدات كبيرة لتطيح بالثورة.
والآن يواجه مجاهدو خلق أسوأ من مصير “جبهة الإنقاذ الليبية”، وهذا يعني على المدى الأبعد أن أمريكا تنطلق من المصلحة الواقعية المشتركة مع إيران، وليس من خلال شخص الحاكم أو نظام الحكم المرغوب ما دام تغييره الواقع لم يعد ممكنا في المدى القريب. ويعني أيضا ترك الجيران يواجهون مصائرهم وصراعاتهم وحدهم. وهم على أي مصير مستقبلي يواجههم سوف يبيعون البترول ـ وهم تحت الحماية الإيرانية أو الأمريكية ـ لمن يشتري وسوف يرضخون دائما للضغوط الدولية والإقليمية، ماداموا قلة ضعيفة وجاهلة وممزقة. وسوف تصبح أمريكا الصديق البعيد والملجأ المحبوب وليس المستعمر الكريه، الذي لا تقف رغباته وإذلاله عند حد.
*المودة الصعبة وسقوط المبادئ:
حيرة أمريكا مع إيران كبيرة، وإختيارها لهذا الطريق أذكى وأصعب، وقد تكون نتائج المغامرة القريبة معها إحتواء القوة والصعود الإيراني، وتعطيل السلاح النووي الإيراني كما حصل مع مصر وغيرها، وإيقاف الاقتصاد النامي إذ بلغ النمو زمن رفسنجاني 3% ، ولم يحقق كثيرا في زمن خاتمي، ويبرر هذا بأسباب منها تدني سعر البترول. ذلك في الزمن القريب، أما مع المستقبل البعيد فقد يتحقق عكس الطموح الأمريكي، فتصبح إيران مع الزمن هي القوة النافذة في الخليج ويخرج البعيدون و يصغر الصغار. وتشتري إيران لها في المنطقة حرسا، وتخرج أمريكا من الخليج مقابل اتفاق وعهود ليس بعيدا أن تكون إسرائيل طرفا فيها، لم لا فليست قصة إيران كونترا بعيدة، وحدثت في ذروة العداء أو كلام العداء الإسرائيلي الإيراني والإيراني الأمريكي، وهذا المستقبل النفعي قد يتغلب إن لم يكن هو الغالب الآن.
*صراع المبادئ والمصالح:
الثورة الإيرانية اليوم تتجه للتعامل الواقعي،ولو على حساب المبدأ المكلف، فقد كانوا يحبون تصدير الثورة في زمن مضى يوم كانوا مولعين إيديولوجيين ناشطين، واليوم يرون تصدير الديمقراطية، ولكنهم غدا سيكتشفون أن هذه العنقاء أيضا لا تصلح للتصدير، فهي تكريم لا يصلح للهمل ولا للمستعمرات، وكلا الحرية والديموقراطية طعام سام يفتك ببطون أطفال السياسة. ولكنه إن تسرب لهم فإنه ينميهم فيكبرون ويتمردون.
ومن قبلهم أمريكا عندما كانت غرة صغيرة شابة فاتكة أصرت زمنا على تصدير ثورتها وحريتها، وتولع متولعون بجمهوريتها وديمقراطيتها في كل مكان، ثم فهم الأمريكيون الدرس بعد قرابة قرنين فتركوا الثورة واتجهوا للحرية والديمقراطية، ثم عادوا بتحريمها على القاصرين الذين لا يفهمون الحرية!
فالحرية والديمقراطية تعلم الصغار في المستعمرات التمرد، ولن تبق هناك مستعمرات عامرة، ولا أسواق حرة، ولا بترولا موفورا، ولا سوقا للسلاح. فانقلب كهنة الديمقراطية يحذرون من سحرهم القديم. لأنهم أدركوا أن الصغار يتعلمون بسرعة، وتجرأ منهم من يحاول سحب البساط من الكبار، بسرعة فائقة. فبدأ الكهنة يقيمون الحد على من يروج للحرية والديمقراطية، ويقلب السحر عليهم وقد فعل الإيرانيون فلا مناص من تحريم الحرية على غيرهم. إن الغرب لا يحب أن يحكم العالم الإسلامي إلا العساكر والجواسيس فقد أثبتوا خير حليف وسجان موثوق.
فهذه دولة الثورة والحرية أو ما سمي بالتنوير: فرنسا هي اليوم تقتل الجزائريين بجنودها الجزائريين لتحرم عليهم الحرية والديمقراطية! وأمريكا الرأسمالية تمنع حركة رأس المال الذي لغيرها حيث لا تريد، بل وتحجزه أمام أعين العالم وتقيم الحصار على دول عديدة تكاد أن تكون كل الدول المحاصرة إسلامية. وتحرم الثورة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان على المستعمرات!
* وجوه أخر للقوى القادمة:
تركيا المجاورة بدأت تسبب قلقا وشكا كبيرا في مصيرها، مع أنها من أهم القواعد الأمريكية في المنطقة. كما أن دول أوروبا والولايات المتحدة لا تعرف الآثار الأبعد لقيام حكم أكثر عقلا واعتدالا مع الإسلام في تركيا، واحتمال إقتراب تركيا من الإسلام مسألة مخيفة للغرب، فتركيا ذات عمق عنصري ولغوي مع الجمهوريات الإسلامية في المنطقة الواقعة بين إسطنبول وغرب الصين تشترك معهم في اللغة والجنس، ولتركيا عمقها السني الأبعد، وبقاء تركيا وإيران مختلفتين ومتحالفتين مع الغرب أضبط لمستقبل الوجود الغربي.
وقد كانت أمريكا وأنصارها محظوظين بأن قامت الثورة في إيران ولم تقم في تركيا أو بلد سني عربي أو أعجمي آخر ، ذلك أن إيران منذ تشيع قسم كبير منها قبل الصفويين، ثم ألزمها الصفويون التشيع بالقوة، بدأت تحافظ على صياغة قومية خاصة للإسلام، فالتشيع والعنصرية الفارسية “الدين، واللغة والجنس” ساعدتهم هذه المكونات في التماسك وصناعة الهوية الداخلية لدولة قومية دينية، ولكنها بالمقابل عزلتها هذه الهوية والخصوصية نفسيا ودينيا وسياسيا عن الجيران، ويمكن لهذه التركيبة أن تستخدم بطرق مختلفة. وأصبح من الممكن أن تقوم بدور قد لا يتفق مع مصالح دول العالم العربي والإسلامي المجاور، ويسهل عليها ربط مصلحتها بخصوم المسلمين بسهولة، تحت أي شعار أو مصلحة ضيقة لإيران “الفارسية الشيعية” وليس الموقف الإيراني من قضية الشيشان إلا مثالا صغيرا في سياق قادم للعلاقات الإيرانية مع قوى دولية تنتفع إيران خاصة من العلاقات معها، وقد يخسر المسلمون كثيرا جراء تلك العلاقات.
* تركيا العلمانية:
ويبقى أعداء المنطقة الإسلامية والعربية مبتهجين بتركيا التي ترسف في قيود علمانية متخلفة عسكرية مقيتة، تبتهج بروائح التغريب الغربي وكلامه وينبذها الغرب لجذورها المسلمة وتاريخها الدامي معه، وشك الغربيين في رجعتها للإسلام قائم مهما قدمها عساكر أتاتورك قربة لرضى النصاراى.
فقد كان رد أوروبا وكلام ديمريل أوضح من كل تعقيب بأنهم رفضوا دخولها في الإتحاد الأوروبي بسبب أنها دولة إسلامية!! مع أن بلاد النصارى تعطي حريات للمسلمين أكثر مما تعطي العلمانية التركية المتخلفة للمسلمين في تركيا. وأي تحرك إسلامي في تركيا السنية سوف يضر بإيران والغرب، ويقوي التحالف “الإيراني النصراني اليهودي” ضد تركيا دون فرق بين العهد الصفوي المتأخر أو القاجاري، وستجد تركيا ـ إن أسلمت سياستها ـ تبحث عن عمق جنوبي عربي أو شرقي في وسط آسيا.
* الذين يسارعون فيهم:
عدد كبير من الكتاب الإسلاميين، الذين يستخدمون الخطاب الإسلامي لأنه السائد المنتصر، يسارعون في التعلق والتمجيد لإيران ومنجزاتها، وهؤلاء يغفلون عن حقائق مهمة عميقة في العقول والقلوب وفي الثقافة والإعتقاد و تاريخ المنطقة، وليس بإمكان أحد نسيانها أو تجاهلها، يدركها الموالون لإيران في العراق والخليج، ويدركها الذين لهم صلة بالتجمعات الشيعية في مناطق عربية أخرى، من هذه الأمور الخلاف العقدي الكبير، والصنمية التي يغالي الشيعة فيها برفع آل البيت لها، واستخدام التشيع كسلاح قومي ضد العرب، ولا يجد حرجا بعض من أنصف منهم أن يذكره بصراحة وأن التشيع الصفوي ـ المتنفذ اليوم ـ مبني على العداوة مع العرب قوم عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين. وأقاموا دينهم القومي (الإسلام الشيعي 10)، الذي له مقدساته في قم وقبر الرضا ثم قبر الخميني، وما يبتعه الشيعة في كل وقت من زعامات، ويخلطون الإسلام بقومية صارمة، تناقضه.
ثم إن عملية التمجيد هذه لا تزيد عن مظهر إعجاب لدى بعضهم غير ذي معنى ولا يمكن نقل هذه الأفكار لحيز التطبيق، وبالتالي تكون تمهيدا لزرع عقدة استعمارية جديدة دون وعي! مع ما تحمله أيضا من فقدان للهوية الشرعية. والنظر الشمولي في الواقعة قد يساهم كثيرا في إدراك أحسن الطرق للتعامل معها. وليس هذا موطن نقد الموقف الإسلامي بطرفيه لأن هذا له سياق آخر.
* إيران القومية الإسلامية أم الاستعمارية القادمة:
ينمو الحس القومي الإيراني في مرحلة استقرار الدولة وانتصار الدين بشكل لم يعهد من قبل، فالمعارضة السياسية كانت تتخذ الدين وسيلة لمقاومة فساد السلطة وللمواجهة أما وقد أصبح الدين حاكما فإن القومية الفارسية قد تكون ملجأ المعارضة، ففي العام الماضي ـ كما يقول أمير طاهري ـ لم يعد اسم علي وحسين أكثر انتشارا، بل أخذ مكانهما “اسم: آراش و اسم: داريوش” اللذان يعودان لإيران ما قبل الإسلام، وكلمة “ميهان”، التي تعني وطن وكان يراها الخميني وثنية عادت للاستخدام، بل وأصبح هناك جريدة يومية باسم “هام ميهان”، التي تعني “الوطني”. وتضاعف زوار قبر قورش ملك فارس وزوار آثار بيرسيبلوس أربع مرات بعد حكم خاتمي بين عامي 97-99.
والملجأ الثاني الآخر لمقاومة السلطة ـ ولعله ظاهر الآن ـ هو التغريب أو ما يسمونه بالانفتاح. وهل سيكون هذا الانفتاح علمانية غربية؟ أم علمانية إسلامية وطنية؟ مسألة تستحق البحث والخوض في المجهول تماما، غير أننا نطلق عنان التوقع لوضع يراه طائفة من الإيرانيين والفلاسفة الجدد مثل: “عبد الكريم سروش” أنه مجتمع يحترم الإسلام ويطبق منه ما يخدم مصلحته القومية ويجافي أي تحكم للمتدينين وأنصار ولاية الفقيه من الملالي ويعلمنون الإسلام من داخله، وهذا طرف فاعل في توجهات الرأي مؤثر في الواقع ومستنكر في العلن.
ستشهد إيران المستقبل صراعا بين قوميتها ودينها، بين تشيعها ومناصرتها لبقية الشيعة وبين مصالحها كما في الخليج وفي لبنان. ثم ما بعد تلك المرحلة بين الثقافة الاستعمارية والشعارات الإسلامية. فالفرق بين إيران الشاة والإسلامية في المستقبل القريب قد لا يكون مختلفا كثيرا في جانبه القومي السياسي. وسيكون العامل القومي هو من أهم المكونات القادمة للسياسة الإيرانية، وسيكبر هذا الجانب ويطغى على سواه. ويكبر الخلاف من أجله مع مكونات إيرانية غير فارسية ويسبب أزمات داخلية وضغوطا خارجية كبيرة مع المجاورين العرب وغيرهم. و سيفتح علاقات أحسن وأقوى مع خصومهم. فالجيل الذي لم يواجه العلمانية الإيرانية وخلاعة الشاة وعمالته لن يكون خطابه الإيديولوجي أقوى مما كان. ولن يكون خطابه الإسلامي أعلى من المصالح القومية القريبة العاجلة.
وهي سنة الله في نسيان الأجيال المتأخرة ما مر بسابقيها، وعمر رضي الله عنه قال إنما يحل عرى الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية. ووجود أكثر من نصف الشعب الذي يقارب السبعين مليونا هم أقل من الثلاثين عاما في إيران لا يجعله يذكر الحروب ولا يذكر الشاة ولا الخميني، ولا يتذكر الصراع الماضي بين الدين والشاة، ولا يكره فكرة الاستعمار، وقد يقبل أن يمارسها أو أن تمارس عليه.
كما أن الحس القومي الفارسي والعنصري للدولة وشيعيتها مكونات مطلوبة لأدوار دولية قادمة يغفل عنها الجيران. فإيران المستقبل لا تريد للخليج أن يكون متدينا سنيا ولا حرا في قراراته. لأن صعود شأنه يبعث قلقا كبيرا لها، وغفلته السادرة الآن خير مؤهل لأن يكون لإيران دور استعماري أكبر قريبا.
ولن تستأذن أمريكا العرب عندما تتفاهم مع الفرس، وللفرس عمق ونصير داخلي شيعي في دول الخليج قد يستخدم دينه لمصلحة القومية الفارسية، وهو مكون كبير في العلاقات، وسيتعاظم دوره في مرحلة الهدوء والغفلة أو العلاقات الأكثر مرونة. وليس مما يمكن اعتباره ثانويا في المعادلات السياسية لبعض مناطق الخليج. وسيكون موقفها من حريته كموقف القوى الطامعة الأخرى، التي تفيدها الديكتاتورية العلمانية والتبعية الغربية في المنطقة أكثر من سواها. لتكون القوة البديلة عن الغرب تحالفا الآن وبعد رحيله المتوقع متصرفا؛ فموقف أمريكا لم يتغير منذ زمن طويل ورأي نيكسون الشهير تتوارثه الإدارات اللاحقة؛ “سيدة تتكئ على الذهب في الصحراء منفردة لن تعدم الغزاة”. يقول مؤلف كتاب حراس الخليج:
“والفترة الزمنية التي ستحافظ الولايات المتحدة خلالها على مواقعها في المنطقة سوف تتحدد على الأرجح بعوامل من خارج الخليج العربي. والوصول إلى مستودعات البترول هو في نهاية المطاف وسيلة إلى غاية؛ وسوف تكشف مجريات الأمور ما إذا كان الأمريكيون سوف يستخدمون ـ أم لا ـ نفط الخليج في تنشيط النمو الاقتصادي الديناميكي في القرن الحادي والعشرين. فإذا لم يحدث فإن الأمريكيين سوف يكتشفون في يوم ما ربما لن يكون بعيداً جداً أن دولة أوروبية أو آسيوية أو مجموعة من الدول سوف تتجه نحو تحقيق هدف أمن تحل محل الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسياً وعسكرياً في المنطقة . ولكن إلى أن يجيء هذا اليوم سوف يظل الأمريكيون حراس الخليج. (11)”.
وفي حال فراغ المنطقة من الحارس الغربي النافذ، وعدم الرضا عن إيران هل تكون الهند هي البديل الآسيوي.ألم يأن لهذه المنطقة أن تتصالح مع نفسها ودينها وشعوبها، ولتستطيع أن تجعل لنعم الله العظيمة عليها أثرا يعود عليها بالخير والعزة والمنعة، و لتتخلص من ربقة الغزاة والمحتلين منذ البرتغاليين إلى اليوم. إن المنطقة تملك كل مؤهلات العزة، ولكن المستعمرين في كل زمن يحذرونها من نفسها، فتكره قومها ودينها وتثق بالغرباء الغزاة، ويغرونها بشراء سلاحهم وإغناء أسواقهم بالشراء والاستيراد. وإنها ما لم تع و تعرف نفسها وتتجه للحق الذي تكرهه، وإلا فإن كل مستعمر يعدها بغيره. ويسلمها لمن هو أقوى منه، والمستعمر القادم آسيوي قد تطول إقامته، وقى الله المسلمين من كل مكروه.
*خطورة الفراغ الخليجي بإقصاء الدين:
يلعب الخبراء والمستشارون والصحفيون و”مؤسسات التفكير”، دورا كبيرا في صناعة القرار الغربي. والمؤسسات ذات حضور مهم جدا في قرارات الحكومات الغربية، وليست هذه المؤسسات موجودة في العالم العربي، لذا يضطر أصحاب القرار فيها أن يستسلموا لخصومهم الذين تتوفر لديهم هذه المؤسسات، أو أنهم بحكم عقدة الخواجة يفقدون الثقة في أنفسهم وفي مؤسساتهم، ولم يعوّدوا قومهم أن يكون لهم رأي مختلف مع السلطة، فإن ظلت فلا هادي لها، وتتلمس الهدى عند من يود لها الخسارة والضلال.
وفي العالم العربي يحرم التفكير في علاقة الدولة، والوعي بما يدور، والدراسة للواقع وللمستقبل، جريمة تسمى تدخلا في السياسة، فينتصر الوهم والخوف وضروب أشبه بالكهانة السياسية التي تخسر في آخر المطاف، لأنها تبدأ بجهل وتنتهي بهزيمة. وقد تقام في العالم العربي مهرجانات صاخبة لقطعان من المنتفعين وبقايا ممن يرون أنفسهم محترفي سياسة وهم جاهلون، ومن مخلفات مرحلة اليسار والقومية، وبقية المدارس الفكرية الخاسرة. وهذه طائفة جاثمة على القرارات ومصائر الشعوب ومؤهلاتها الوحيدة القدم وعدم الصلاحية للمغامرة السياسية والفكرية، وكراهية التوجه الإسلامي.
إن الخليج فيه أوضح ملامح “الخوف من التفكير”، فصاحب القرار لا يستطيع أن يبوح بحيرته من الخطوة الأمريكية المفاجئة، ويخشى ذكر الحقيقة ونقاشها مهما تكن خارج إرادته، ويتوقع أن شعبه يظن فيه عبقرية لا مثيل لها فليسكت خوفا من الانكشاف، أو أن يقال لقد وثقت بغير موثوق، ويستبدل الوهم والأماني بالحقيقة، ويتعامل مع أمنياته وليس مع الحقائق الواقعة التي يستبعدها حتى تعبر عن نفسها. والمفكر أو العالم أو السياسي لا مكان له، فلو تحدث قيل هذا يطمح أن يكون ثائرا أو أن يكون “آية الله”. فليقبض على جمر الغبن ويصمت، فقد قرر له الغزاة موقعه وأن يكون بعيدا عن المسيرة الفكرية والسياسية لبلاده، فحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس. وليترك الأمر للرويبضة كما قال صلى الله عليه وسلم، والرويبضة لا يفهم ولا يسمح لنفسه ولا لغيره به.
وحال الإسلاميين في هذه المنطقة من العالم “أنهم إن قالوا المحال رفعوا الأصوات وإن قالوا الحق أطالوا الهمس”. فأصواتهم مصادرة، وحقوقهم مستباحة، والمؤسسة الفكرية الإسلامية محرمة ومصادرة الحقوق يتزايد فيها تحكم السلطة وملكيتها المركزية عودة لأسلوب روسيا والتركيز الشيوعي للسلطة مع أن هذا زمن التخصيص والحريات في كل جوانب الحياة سوى هذا.
ولكن العالم المتقدم يجلب الشعب للمشاركة السياسية، ويتمنى منه المساهمة في الفهم والتوجيه للسياسة ونقد السلطة. فالحكومة التي يكثر نقدها صراحة أقدر على الإصلاح، والسلطة التي يتزلف لها المتزلفون والمداحون الدجالون تبادلهم بمثل ما يبذلون وتتزلف لعدوهم كما يتزلف لها رعاياها.
لذا تعاني منطقة الخليج من الفراغ الفكري والسياسي، وهذا مما يساعد في ضعف البنية السياسية، ويزرع الخلل وعدم الثقة وسيطرة الخوف من الداخل والخارج، وهذه البنية هي أحسن الأجواء التي تمكن للمحتلين ولعشاق المغامرات الكبرى من المبادرة، بعد صنع التحالفات والمصالح للشاطئ الذي تعود أن يكون “متصالحا” مع الغزاة المختلفين، فتمزق هذه الجهة من الخليج سهل دور الغزاة في الماضي، وهذا التمزق هو خير وسيلة للغزاة في زماننا. ولا بد من وجود مجتمع مسلم متماسك، يسوده الدين والعدل والثقة وبهذا يكون قادرا على مواجهة مشاريع الاستلحاق من القريب والبعيد.
ولم يعد ممكنا أن يقترح أحد على إيران إبعاد الدين عن السياسة، فهذا مكون من مكونات البلد التي تجاوزت النقاش، وشعار “احتشمي في طهران” يقابله شعار “ابتسمي في دبي”، وكريستيانا أمبور مراسلة الس إن إن تتحجب في طهران، وتخلعه على الشاطئ الغربي العربي. ومنع أمريكا للدول العربية أن تدخل السياسة في الحياة تطفيف عليهم، فأمريكا تعترف أن جمعياتها التبشيرية “البعثة العربية” هي التي فتحت لها باب الخليج: والعلاقات العربية البترولية يعود فضل إنشائها وهيمنة أمريكا عليها إلى البعثة الأمريكية التبشيرية التي سميت بالبعثة العربية، كما يقول تشارلز هاميلتون: “يعترف الكثيرون بأنه لولا عمل البعثة العربية المبدع لما استطاع التجار الأمريكيون أن يشتركوا في استغلال مصادر البترول الهائلة في الشرق الأوسط (12)”.
* التقية إلى الشاطئ الآخر:
إن علينا أن نتدبر بوعي ودون وصاية أثر إبعاد الدين وترسيم وتجميد المؤسسة الشرعية في الشاطئ الغربي، بينما يحكم التشيع الحياة في إيران، وتقوم حركة وثورة فكرية دينية وسياسية حرة مناصرة لطائفتها في كل مكان بدعم من كيانهم العقدي السياسي. وتناقش كل أمورها على الملأ دون إرهاب جاسوسي ولا خوف. ويأخذ رجالها مكانتهم بقدراتهم وجدارتهم بلا بتنصيب من مستعمريهم.
وهنا يجدر بمن يعي الأمر أن يدرك أن مفاهيم التقية قد غادرت مجتمعهم منذ ثورة مصدق 1953م، ثم وقفة 1963م ضد الشاة، ثم أكدتها ثورة 1979م، وغادرت مفاهيم الضعف هذه إلى مواقع أخرى في أماكن أخر، إما شيعة يمتطونها ويتمسكنوا حتى يتمكنوا، أو سنة تاريخيا تلبسوا هذا المفهوم، عمليا وبأسوأ تفسيراته، فهو أخطر عليهم من عقائد الإمامية الأخرى التي تسربت للسنة.
* الفكر يقود السياسة:
الوهابيون كانت لهم صولات سياسية وفكرية وعملية في بناء هوية لأمة عربية مسلمة، وأثاروا من العمل والفكر ما هز التفكير والسلوك المسلم رغم فقرهم وضعف مواردهم آنذاك، ثم قام القواسم على شاطئ الخليج وكانت لهم أمجاد في مواجهة الاستعمار شهيرة، وكانوا امتدادا للحركة الوهابية، ولم تكن مواردهم ولا تجارتهم البحرية سر قوة الحمية والعزة والمواجهة للغزاة، ولكنه الدين والفكر اليقظ الذي يملي الموقف السياسي، واليوم في الخليج يتوفر المال وفي بعض المناطق بشكل لم يسبق في تاريخها ولا تاريخ البشرية تمركز هذه الثروة مع قلة السكان، ولكن يرافق هذا جهل مريع، وبعد عن الدين وعن الثقافة والتفكير، مما جعل هذا المال مجلبة للخوف والضعف لا وسيلة للقوة.
فليس من علاقة تربط بين السكان إلا بقايا عشائرية يضعفها الخلاف المستمر، والمصالح المتحولة، ويفقد أصحابها الهدف الموجه، ولا يجتمع الناس حولهم بسبب غير مالهم، فلا يجدون من المسلمين تعاطفا حيثما كانوا، ولا يشعرون بلذة أخوة ومناصرة ومودة، فتسود هذه العلاقة مع الخارج مشاعر النفعية والوقتية، وعدم الثقة وضعف التجانس.
وإن سيطرة مشاعر السوق وخلقه المتبادل وعلاقاته أضعف روابط للشعوب وأوهاها، وأكثرها تقلبا حسب البضائع والباعة والوفرة والنقص ، وزيادة المال ونقصه. وغياب فكرة أعلى وأقوى جامعة وهدف مشترك مع المسلمين والعرب، يعني غياب المستقبل والثقة والصدق والود. وللأسف فهذه هي الرابطة في داخل شعوب الخليج الآن ومع غيره، وهي من أخطر التحديات التي تعزل الحكومات والشعوب عن مجتمعها القريب وعن العالم الإسلامي الواسع. يرافق ذلك تغييب متعمد للدين والثقافة والتفكير في صياغة المستقبل، وتوجيهه لمصير منطقة قلب العالم الإسلامي.
* الدعوة والاجتهاد:
حضرت مرة محاضرة لخبير شهير في الشئون الدولية وممن يطلقون على أنفسهم المستقبليين، أي خبراء التخطيط والتوقع المستقبلي، وله اهتمامات سياسية واجتماعية عديدة، يدعى “فلاخس” من أصل يوناني، وقد دعا لهذه المحاضرة ناد للطلاب، استعرض المحاضر فيها مكونات المنطقة السياسية والاجتماعية والثقافية، ثم قال في نهاية محاضرته إن مستقبل هذه المنطقة السعيد يقوم على أمرين هما: الدعوة والاجتهاد، فهذان العاملان يقويان العلاقة في وسط العالم المجاور والبعيد، ويجعلان للأفراد هدفا في الحياة، ولاجتهاد يصنع التفتح والمعرفة. ثم إن كلا من المصطلحين له جذوره في ثقافة المجتمع وفي الإسلام. وقد كان نص قوله قريبا من هذا عجبت لما يقول وقلت يا ليت قومي يعلمون. فما أشد هروبهم من الخير و والسعادة والمجد دنيا وآخرة، والتهافت على شهوات عاجلة قاتلة.
* دولة الفكرة أم دولة والمال:
يخيل للمراقب الذي يقف عند آخر لحظة لمجتمعات هذا القرن أن المال هو الذي كون المجتمعات، وأسس روابطها، وأقام نظمها، وتلك خدعة التفكير الجزئي المبتسر، فالتكوين الفكري والثقافي هو الذي أسس روابط عديدة في المنطقة، والدين هو الذي أقام الدولة السعودية، وهو الذي عزل بعض السكان عن المشاركة السياسية والاجتماعية في العالم الإسلامي، فعمان وعزلتها ليست فقط من أجل الجغرافيا، ولكن هناك عوامل ثقافية دينية جعلت هناك حواجز لا يجوزها المار بسهولة، ولم يستطع مجتمع في العالم المعاصر تجاوزها كما يخيل لنا العلمانيون الذين يبشرون بخرافة نهاية الفكر أو نهاية الإيديولوجية، فمشكلة صراع البروتستانت والكاثوليك من مكونات الدول وأسباب تشكيلها في الثقافة المعاصرة في العالم النصراني، وايرلندا شاهد يفقأ عين المكذب، ومبدأ صراع الحضارات وآخر موضة للسياسة الخارجية الأمريكية مبدأ ديني صرف، عليه ملحقات قومية أو عرقية قليلة، ولكن صراع الكاثوليك والكنيسة الشرقية والبروتستانتية والإسلام من مكونات النظرية بل هي خلاصة وأساس النظرية.
ومشكلة المال في المنطقة وتحولاته أصعب من استقراره، فليس في المنطقة إلى الآن مؤهلات جاذبة لاستقرار السوق، ولبقائه نشطا وليس للسوق حماية عسكرية محلية، ولا زراعة ولا صناعة متجذرة، ولا تعليم ومؤسسات تستقبل القدرات وتوطنها وتجذب اهتمامها. بل الجامعات الإسلامية تعاني من التحجيم والتجاهل والإضعاف بطريق مباشر أو غير مباشر، وتقلص الحريات في داخلها العلمية والاجتهادية لتكون أقل حرية أكاديمية من المدارس الابتدائية التجارية.
يقابل هذا الهدم عند السنة نشاط شيعي وحرية أكاديمية في جامعاتهم العلمية والشرعية. فالدعوة والاجتهاد أصبح عمل الشيعة وهدف طائفة كبيرة منهم. ودولتهم التي أقاموها لهذا الهدف وغيره ترعى وتنفق على هذا التوجه، ولكن الدعوة والاجتهاد عمل مطارد على الضفة السنية! ولنا أن نرى في ضوء هذا الواقع والتوجه مستقبل أمتين وقوتهما.
* بين مصر وإيران:
لماذا ينشغل العالم بقصة إيران في كل مكان؟ سياسة وفكر واقتصاد وسلاح، بينما لا يهم أحد كثيرا أو على الأقل الآن ما يحدث في مصر؟ وعدد سكان البلدين يكاد أن يكون واحدا، ودور مصر التاريخي الإسلامي عظيم،ومكانتها أكبر أو مثل إيران، وهويتها العربية والإسلامية السنية أخطر، وكانت في زمن عبد الناصر محركة للكثير من قضايا العالم كالقومية العربية وحركة عدم الانحياز، فما الذي حدث لها؟ ولماذا لم تعد تقلق حتى مثل الشيشان أو أفغانستان، ولم تعد قوية مثل إسرائيل التي تقل عن نسبة 1 إلى 14 من سكانها، ولا تستحق قدرا مقارنة بها، وليس لها في المنطقة صوت ولا صورة، ويقضى الأمر حين تغيب ولا تستأذن حتى في شيء؟ ورحلات مكوكية دبلوماسية شكلية غير ذات قيمة إلا تركيز غيابها عن العالم وتهميش دورها! وكل بطولات حاكمها وحكومته أنه أمسك بمصري في ألبانيا، أو اختلف مع لاجئ مصري مسكين في اليمن ، أو آخر مجنون في لندن، أو مع هارب في سويسرا وهلم جرا من بطولات هذا الحاكم! كيف صغر هذا البلد الكبير قسرا؟ وهمش دوره بلا شيئي؟
السر هو غياب الفكرة والمبدأ، السر هو قيام سلطة مهمتها حراسة مصالح الخصوم، وتجميد كل طموح شعبي ديني أو سياسي، وإماتة أمة بواسطة هذه الحكومات التي تحكم لتميت كل شيء، فلم يعد للحاكم دور معلق به، فلم يخف عدوا ولم يفرح صديقا ولم ينصر مظلوما، ومهماته الكبرى حسب ما يكبرها خصومه، وعزته يراها قهر أمته، فهو شر على أمته وخير عميم لعداتها، شره على المسلمين مستمر وخيره لغيرهم دائم. ولهذا لما انطوت الحكومة التي كان يتوقع لها شأن وتخلت عن عملها لتكون حارسا لعدوها هانت على الجميع، ومن يهن الله فماله من مكرم.
*ما يعدكم الله:
إن الله يعدكم مغفرة منه وفضلا وعزة، ولا يعدكم هؤلاء الصليبيون والمنحرفة إلا الذل والقهر والاستعمار والتبعية، وهذا شأن عظيم رغم خصوصيته بمنطقة إلا أنه يهم بقية الدول العربية والإسلامية المشرقية وغيرها، ومن شك فعليه بقصة الفاطميين، فكرة ولدت في المشرق، ثم فرخت في الشام ثم قامت دولتها في الجزائر، ثم حكمت مصر والشام والحجاز واليمن، وغزت العراق في فتنة البساسيري الشهيرة.
وللأسف فإن المعرفة والوعي تقود غالبا للتشاؤم، والتصرف الحق هو العلم والوعي ثم فعل الخير وتجنب المزالق، وقد أظهرت هنا جانبا مما يحدث أو يتوقع حدوثه، لائما ومشيرا ومحذرا ومشفقا، ومعرفا بما يتم الآن من علاقات لا دعوة للتشاؤم، بل توعية وقراءة في توجهات دولية يدور الحديث عنها لعل في ذلك بدء يقظة. إننا بعد لم نر أهدافا لهذه الدول في قلب العالم السني بلاد العرب المسلمين ولم نر آمالا لهم ولا أعمالا لنتحدث عنها ولتكون بديلا يتعلق به الناس فيها.
ولم نر منهم إلا محاولة الإسكات، وطلب الهدوء و”أكل القوت وانتظار الموت”. ولم نرد بهذا بذر الخوف ولا عدم الثقة، فمن يواجه هذا فعليه أن يكون واضحا مع الواقع كما هو، ثم الإقبال على ذاته بالوعي والعمل لدينه وفتح مجالات الحرية والمزيد من العلم والاجتهاد والعدل والمزيد من الإعداد البشري كما ونوعا، للإنسان المسلم الواعي الحر الشجاع، فلا يحمي الذمار خائف، ولا يعز من قهر قومه، أو أخافهم، أو أذلهم، لأنه يبوء بها قبلهم، ويستولي عليه خوف الجاهل من كل شيء.
وعندما يتجه الناس للخير والإعداد آنذاك نتحدث عن بناء مستقبل. ويحسن بالمسلم أن يتفاءل ويعمل فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره الطيرة. ولم يكن تفاؤله صلى الله عليه وسلم باردا ولكنه يتفاءل في تنفيذ عمل معروف، وهدي قاصد محددة أهدافه، وغاياته في الدنيا والآخرة. ولم يكن التفاؤل بالمعنى الميت الذي خيم على المسلمين المتأخرين، وهو أن تتمنى الخير وتأمله ولا تعمل له. أو تتفاءل بفعل السوء أو فاعليه، بل الفأل أساس الإستراتيجية الإسلامية الصحيحة. يسبقها ويعقبها ويصاحبها إخلاص ووعي وتفان للعمل. و هذه مسألة لا يصح أن تبقى في دائرة الصمت، فهو قرين الاستخذاء والهزيمة والعجز، والصمت قاتل العلم، وآفة للفهم. وما طال صمت قوم إلا طال ذلهم، وفقدوا حقوقهم، واستتبعتهم الأمم، نسأل الله أن يصرف عن المسلمين كل سوء، والله أعلم.
* قضايا في العلاقات بين إيران وأمريكا:
ـ في 3 تموز عام 1983ضربت البحرية الأمريكية في الخليج طائرة مدنية إيرانية وقتل فيها 290 راكبا.
ـ حادثة تفجير مبنى المارينز في بيروت وقتل أكثر من مائتين.
ـ تفجير الخبر
ـ بيع السلاح
ـ أعلن الرئيس كلينتون في 12 نيسان إبريل “إن إيران كانت عرضة للكثير من الإساءات”
ـ فاز خاتمي بالانتخابات في أيار مايو 1997 م
ـ كانت مدة حجز الرهائن 444 يوما، وقد كانت من أسباب سقوط كارتر أمام ريجن
1] محمد المنسي قنديل، استطلاع مجلة العربي عدد53 رجب 1421هـ أكتوبر 2000م، الصفحات:41، 44، 45.
2] العربي العدد السابق ص 46
3] من المناسب أن نشير هنا إلى أن بعض الأفلام التي تنتج في الدول العربية تتعمد الحط من قيم المسلم وتهاجم دين الشعب ومقدساته من خلال وصم طائفة العلماء والمثقفين الإسلاميين أو الدعاة بالإرهاب، لأنهم دعاة حرية واستقلال، وحفاظ على الكرامة والهوية، ويقوم هذا الفن الأجير بتزويق وتزيين المنافقين المشوهين نفسيا وثقافيا والتابعين سياسيا، وجعلهم المثل الذي يتبع،وهنا نلاحظ كيف يتوجه الإعلام الواعي لمشكلات شعبه وبلاده مع القوى المحتلة الطاغية. وكيف يلتف معقدون آخرون لجعل الإعلام مدمرا لدينهم ومقسما لشعبهم إلى طائفتين: بين إسلامي رافض للتبعية عزيز بدينه وكرامته وأمته فهو عدو متطرف مخيف، وبين موال متغرب مطيع فهو تابع لطيف قابل بالاحتلال لذا تصب عليه أوصاف المدح بأنه موثوق متحضر تقدمي!
4] يتنامى التشيع والشيعة في سوريا بسرعة، ولديهم وضع سياسي واقتصادي وثقافي مميز من قبل الحكومة، ونشاط إيران السياسي والثقافي قوي ظاهر في دمشق وغيرها .
5] “فورين أفيرز” أخرج هذا البحث فيما بعد على شكل كتيب صغير عن مستقبل الشرق الوسط.
6] ساهم في هذا الرخاء بعض العوامل الأخرى، مثل صناعة الكومبيوتر والاتصالات الجديدة، وتدفق الاستثمارات.
7] نشر الدكتور عبد الله النفيسي تلخيصا لهذه الرؤية في جريدة القبس الكويتية، وأثارت المقالات آنذاك جدلا على مستويات عليا في المنطقة.
8] انظر بيموج و[..]
9] لمحمد صادق الحسيني
10] كتب المستشرق الفرنسي هنري كوربان كتابا قديما مهما عن هذا التطور، في مفاهيم: الإسلام الإيراني، وقد ترجم بعض الكتاب للإنجليزية، وترجم للعربية أكثر من مرة، منها ترجمة سيئة لذوقان قرقوط، وآخر ترجمة للموسوي صدرت عن دار النهار هذا العام.
11] مايكل أ. بالمر، حراس الخليج تاريخ توسع الدور الأمريكي في الخليج 1833-1992، ترجمة نبيل زكي، ص 248.
12] هاميلتون، الأمريكيون والزيت في الشرق الأوسط، ص 11، أنظر بونداريفسكي: الغرب ضد العالم الإسلامي من الحملات الصليبية حتى أيامنا. طبعة د