بقلم خالد حسن

لا يعقل أن نشهد زمنا يمر، ولكن لا تاريخ هناك، بل جمود وانغلاق، إذ التاريخ ليس مجرد دورة الزمن في فضاء آسن، بل هو الفاعلية الخلاقة للبشر في زمن ما.

الصعود الإسلامي اليوم بحاجة إلى امتلاك أدوات الفهم ومزيد من المعرفة، بقدر حاجته الماسة إلى ضخ الدماء في شرايين حراكه واندفاعه.

ولنعتبر من “الاندفاع” العثماني، فلم يكن بمقدور “القوة المجردة”، التي وفرها آل عثمان في تلك الفترة من القرن الخامس عشر، أن تقيل عثرته، إذ لم يكن بمقدور ما لم يملك العثمانيون غيره، وأعني بها القوة، أن تواجه ما حل بالعالم الإسلامي من التقهقر والخمول. بل راح العثمانيون يطاردون حركات الإحياء الإسلامي، تماما كما يفعل اليوم البعض بمحاصرة الأفكار المؤثرة الواعية بقوة التشكيك والتشنيع وتسخير المنابر لمطاردتها.

وهنا تحاول ذهنية مهيمنة في أوساط شريحة من الإسلاميين، أن تفرض على الوعي نمطا معينا من التفكير وقراءة الأحداث، ويعيش هذا الصنف عالما موحشا متوترا، سيطر على نفسيته وخطابه ورؤيته، وأحيا بهذا مذهب التماثل والخمول.

وإذا غادرنا الساحة وانكفأنا، فلا نلوم غيرنا على الاندفاع.

ولما استبدت حالة الشطط بالبعض، راح يفرغ شحناته وقدراته العقلية في الانتصار لموقف ما والتشنيع بموقف مغاير، لمجرد أنه قرأ الأحداث بشكل مخالف لما ألفوه، دون أن يخرم أصلا شرعيا أو ينتهك قاعدة كلية أو ناقض الشرع في مقصوده.

عندما بدد المفكر والباحث المصري عبد الوهاب المسيري، وهم “الاخطبوط الصهيوني” و”بروتوكولات حكماء صهيون”، وهون مما ظل عالقا بالذهن لعقود من مقولات “الصهيونية العالم” وحكومة الظل العالمية الخفية ومن التأثير الواسع للماسونية، وحجم بهذا نظرية المؤامرة اليهودية، ليفك أحد القيود المعطلة للنهوض والحراك، لاقى صنيعه هذا ترحابا وتجاوبا في أوساط النخب والمثقفين من كل التيارات، ولكن أصعب من هذا وأعقد أن تبدد بعض الأوهام المكبلة من داخل الكيان الإسلامي نفسه، وهو ما يعمل عليه المفكر الموسوعي د. محمد بن حامد الأحمري، من فترة، وخاصة فيما يتعلق بقراءة الأحداث والانقسامات داخل الأمة، وتحديدا الموقف من الشيعة، وربما لاقى إنجازه وعطاؤه في هذا المجال الحساس صدودا من البعض من بني قومه في بلاد الجزيرة، لأن الموضوع الذي يعالجه، من داخل المجال التداولي والبناء التاريخي والمعرفي للأمة وليس خارجه، كالحركة الصهيونية، لكنه لا يقل أهمية وحيوية عن الجهد المعرفي والفكري للمسيري في تبديد بعض الأوهام التي استبدت بالعقول لأزمنة، وربما أكثر أهمية في اللحظة التاريخية الراهنة، باعتبار أن لكل حقبة زمنية نوازلها ومستجداتها، خاصة وأن هذا البعض يعتقد أن إسرائيل وإيران وجهان لعملة واحدة!!

والأحمري، كما المسيري، تعامل مع بعض مما يعده الكثير نظريات مؤامرة، ويفردون له المنابر والأوقات والجهد، باعتباره إشاعة لا أكثر. نعم إشاعة أو انطباع نفسي تحول بفعل هاجس وهستيريا معينة إلى واقع، يملأ الساحة ضجيجا وصياحا.

فإذا كان المسيري قد أنفق جزءا من حياته الفكرية في نقض وهم اليد الخفية الصهيونية بالأمس، ليحرر الفعل المقاوم الفلسطيني، والأمة من ورائه، من أسر إشاعة صنع منها أعداؤنا نظريات وحقائق، فإن الأحمري فعل الشيء نفسه مع “اليد الأخرى الخفية”، لوقف الاستنزاف الداخلي، وجمع الأمة على مواجهة أصل البلاء، ممثلا في الاحتلال بأقنعته وصنوفه والطغيان بطبائعه وصوره.

لماذا نلوم مفكرا وباحثا لأنه أعمل عقله واجتهد في البحث والتفكير، وخرج عن المألوف الموروث، وصنع تحولات عميقة في فكر الكثير ممن قرأ له أو جالسه. وما أروع ما يشعر به المفكر، كلما استطاع أن يتبين الارتباط بين عدد من الظواهر التي كانت تبدو من قبل منفصلة.

هذا قرن الاندفاع لا الانكفاء، وعهد البزوغ والنهوض لا إشاعة التوترات واستدعاء المطاردة العثمانية ـ على الأقل في آخر مراحل حكمهم ـ لكل حركة فكرية مجددة.

ومن يسخر وقته وملكاته ومنابره ليحاصر ويشنع بالأعمال الفكرية لمن يخالفه، ضمن الإطار المرجعي الواحد، إنما يُمكَن للخمول والجمود، ويغلق الساحة الفكرية بما لم يتجرأ النظام على الإقدام عليه، وينتصر لقراءة أحادية للأحداث والتاريخ واستشراف جامد للمستقبل.

والصواب لا يحتكر، وقد جالست من أهل العلم المبرزين من أهل التميز والنبوغ والملكة الفقهية ـ وقد حدثني عن أحدهم الشيخ محمد الحسن الددو النابغة الشنقيطي المعروف، وأثنى عليه خيرا ـ وله كتاب مطبوع في الأصول، وتحديدا في مآلات تصرفات العباد، من أنفس ما كتب في هذا المجال، باعتراف أهل العلم في الحجاز والشام، وذكر لي أنه قرأ كتاب ملامح المستقبل للدكتور محمد بن حامد الأحمري، وقد تضمن عصارة أفكاره، أكثر من مرة ولا زال يثني عليه كلما لاقيته، ويقتبس منه في حواراته وجلساته، ويتابع مقالات الأحمري ويوصي بها.

فما دامت الساحة تسع لأكثر من عقل ورأي، فلا نضيق واسعا، والأمة تتطلع إلى أعمال فكرية عميقة تحدث تحولات معرفية، فقد ملت من “سطحية” المشرق و”انغلاق” نجد ـ السياسي والفكري ـ و”عزلة” المغرب، فمن سنوات طوال وهي تقرأ نفس الأفكار لنفس الكتاب والمفكرين، وتستهلك نفس الإنتاج، ألا تستحق هذه الأمة الولود، من يجدد فهمها للأوضاع ويوسع أفقها ومداركها، ويفتح عقولها على قراءات وتفسيرات ورؤى أكثر استيعابا لجدلية التاريخ والسياسة؟

التعليقات

أضف تعليقا

الاسم (مطلوب)

البريد الإلكتروني (لن يعرض للآخرين) (مطلوب)

الموقع

أطلق العنان لحروفك