الرياض/عبد الله الرشيد 21/7/1427
15/08/2006
بعد مقاله الأخير المثير للجدل (خداع التحليل العقدي للأحداث)، يعاود الدكتور محمد حامد الأحمري ـ رئيس التجمع الإسلامي بأمريكا الشمالية سابقاً ـ حديثه مجدداً حول هذا الموضوع مؤكداً أن “العقيدة عنصر من عناصر التحليل، وقد تكون حاسمة وأساسية مرة، وقد لا تدخل مطلقاً في تحليل حادثة أخرى”. مستدركاً: “فلم أقل ولن أقول إن التحليل العقدي باطل”.وفي ذات السياق أشار الأحمري إلى أن أول من سيفرح بتحليلنا العقدي للأحداث هو “إسرائيل” التي ستجد في مثل هذه الآراء وسيلة سهلة لتفكيك وتمزيق المسلمين.
قائلاً: “لو أخذ هؤلاء العقديون بفقه المصالح والمفاسد، والسياسة الشرعية لوجدوا أنفسهم مع المقاومة اللبنانية”.
و في موضوع آخر حذّر الأحمري من إيجاد أي عداوات مع إيران، مؤكداً أن إيران تستمد نجاحها وتفوقها من بنيتها الديموقراطية المتينة التي واجهت فراغاً عربياً سنياً. وفيما يلي نص الحوار:
بعد الحرب المفتوحة التي خاضتها إسرائيل ضد حزب الله ولبنان ككل تباينت وجهات النظر إلى حد التراشق بالتهم والعمالة من الموقف أمام ما يجري في لبنان ومن حزب الله (الشيعي)، ما دوافع هذا الخلاف برأيك؟
لعلك تصر مع بعض الإخوة على مزيد من القول حول بعض الجدل الذي دار عن مقالتي عن التحليل العقدي، والذي أحب بعضهم –وللأسف- أن يقتطع ما يعجبه ويقطعه عن سياقه ثم يحاكمني لقوله، فلم أقل ولن أقول إن التحليل العقدي باطل، بل ذكرت أن العقيدة عنصر من عناصر التحليل، قد تكون حاسمة وأساسية مرة، وقد لا تدخل مطلقاً في تحليل حادثة أخرى. ولكن الذي لا يعرف إلا بعض موضوعات العقيدة فليس قادراً على تحليل حدث يتجاوز تركيبته المعرفية أو العقلية، فلماذا لا يسمح العقديون بأن يُقال لهم من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب، كما يقولون عن مهندس تناول شرح موضوع “خلق القرآن”؟
علما بأننا قد نجد النجابة السياسية في شيخ، كما يمكن أن نجد النجابة الشرعية في مهندس، مع أن هذا نادر في الجانبين.
من خلال مطالعتنا للنقاش الدائر اليوم حول حزب الله في الجنوب اللبناني والموقف منه نجد أن التفسير العقدي كان هو المسيطر والغالب في فهم الكثير من معالجتهم للأحداث، بعضهم أكثر من تكرار قضايا محددة في الاعتقاد، وخصوصاً في الفرق والأسماء والصفات مما أثّر على الوعي بالواقع وقضايا الأمة ومشاكلها، إلى درجة أنه إذا حدث حادث جديد في زماننا فلابد أن نذهب إلى زمان الفرق والصراعات السنية/الشيعية، والسنية/المعتزلية حتى نأتي بالحل، حتى إذا وجدنا كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية أو الإمام ابن حنبل فرحنا به وطرنا، وإن اختلف المعاصر عن القديم، ثم نجبر ما نعيش فيه الآن ونعيده للماضي ونتجاهل عناصره الجديدة.
خذ مثالاً على ذلك : بعض الشخصيات الملحدة أو المفرطة في تقديس العقل ، ضد الشرع لابد أن يصفهم بعض أساتذة العقيدة بـ”المعتزلة” في العصر الحاضر مع أنهم بعيدون جداً عن المعتزلة؛ لأن المعتزلة كان فيهم العبّاد والمتعفّفون عن السلاطين، لكن هؤلاء لا يعرفون إلا المعتزلة القدماء، ولا يستطيعون دراسة المعاصرين ولا صناعة تسمية لهم، ووجدوا جامع العقل أو دعواه شبيهاً بهم فوصفوهم بهذا الوصف.
وما أشرت إليه من معارف ضرورية للمحلل السياسي سوف تساعده إلى أحسن التفسيرات لما يشهد، وقد ذكرت معارف منها “المعرفة بالجغرافيا السياسية المتجددة والمصالح عموماً، ومنها الثروة والقوة والدين (أو المذهب)، واللغة والتاريخ والجغرافيا والجنس والأشخاص، من أدوات التحليل للموقف السياسي، وغياب شيء من هذه الأسس، أو المبالغة في أحدها يضعف التحليل السياسي ويحرفه إلى جزء من القضية، فيصبح التحليل رديئاً وخاطئاً، ويورط أصحابه في الموقف الخطأ”.
وهذه الأدوات المعرفية لو توفرت بيد الموهوب الهميم بقضية لأبدع تحليل الموقف وتوجيهه لمراده، ولو توفرت كل المعارف بيد كليل العقل بليد المشاعر غير ذي هدف لما كانت ذات قيمة.
لكن ألا يقطع التحليل العقدي الطريق على من يريد أن يوظف انتصاراته لمصالح فئوية؟
أولاً ثقْ تماماً أن إسرائيل ستكون فرحة جداً بأي تفسير عقدي للأحداث؛ لأنهم سيستطيعون تمزيقك وتفكيكك من الداخل، لأنهم سيستفيدون من التحليل العقدي في تمزيقنا وضرب بعضنا ببعض، وإشغالنا في صراعات جانبية بينما هذا العدو يتوسع وينهب المزيد من أراضينا.
السياسة فيها الصراحة والغموض، والتورية والوضوح، الميوعة والصلابة، فهل يُعقل أن يجعل التفسير العقدي السني النازيين اليهود أقرب إليهم من الشيعة، لا .. ولكن إن احتاجوا سوّغوا سياسياً! وهل هم جماد ومصالحهم أيضاً؟ وهل الشيعة جماد! وعلى صورة واحدة دائماً بلا جغرافيا ولا فكر ولا ظروف تؤثر فيهم؟ وهل هم الأولوية بالمواجهة دائماً لا يسبقهم أحد ولا يضر أكثر منهم ..؟!
لكن ما موقفكم أنتم من مقاومة حزب الله لإسرائيل؟
أقول لو كان هؤلاء مجموعة وثنية واغتُصبت أرضهم، وقُتلوا بأيدي الظالمين لكان الحق على الناس نصرة المظلوم، ولو بحلف كحلف الفضول، كيف وهؤلاء من أهل القبلة، ويسومهم النازيون الصهاينة تلك الإبادة المشهودة للجميع، حتى عطف يهود ونصارى عليهم قبل بعض المسلمين، ونحن في مرحلة صراع مع عدو إستراتيجي متوسع يريد القضاء على المقاومة اللبنانية، والمقاومة الفلسطينية ليصل إلى أعماق بلاد العرب والمسلمين، ويذل ويخضع ويحتل الجميع، فمن يحاصر إسرائيل ويعيق تقدمها لابد من دعمه؛ لأنه يحمينا من توسع الاحتلال السرطاني المنتشر.
إن وجود حواجز وعوائق أمام المحتل من كتل المقاومة ستمنعه من الوصول إلينا، هذا لو افترضنا أن هذه الحواجز من غير المسلمين، فكيف وهؤلاء من المسلمين، ومع ذلك لم يدعموا؛ لأن التخاذل عن نصرة المقاومة هو فتح للطريق نحو الاحتلال ليجتاح ما بقي، وليستذل من لم يبلغ إليهم؛ لأن الاحتلال الصهيوني شر من احتلال غيره.
والعالم الإسلامي يجتاحه حالة من الاحتلال الشامل بأشكال وأسماء متنوعة؛ فالأولى لنا أن نتحالف ضد الاحتلال، أما أن ننتظر حتى يصل اليهود لأعماق العالم العربي فهو موقف “…” سيئ وهزيمة صارخة.
ألا تعتقد أن الموقف من الشيعة ناتج من حساسية اجتماعية أكثر منه عقدية، إلى درجة تفسر معها كل ما يقوم به الشيعة من مقاومة بأنها مسرحية؟
بعضهم قالوا إن ثورة الخميني مسرحية، والحرب العراقية الأمريكية ضد إيران لثماني سنوات مسرحية، لكن الواقع المادي أمامنا، أرض تُؤخذ، أرواح تُقتل، الحقائق المادية هي التي تتكلم. ثم إن قصة (إيران كونترا) لها تفسيرها الواضح، فهما بلدان في حرب، وهناك نقاط مصالح ومواجهة سمحت بتبادل أسرى مقابل سلاح، كما هي الحال بينهما في أفغانستان والعراق، نقاط حرب وغنائم التقاء مصالح وتنافرها، كلا الطرفين له مغانم في العراق وأفغانستان، وهذا الفارق بين حروب الدول الكبرى وحروب القرى، كانت الحرب الباردة في أشدها وكان الروس يأكلون قمحاً أمريكياً!!
ما هو الأسلوب الشرعي الذي تراه صحيحاً للتعامل مع الحدث؟
لو أخذ هؤلاء العقديون بالفقه فقه المصالح والمفاسد، والسياسة الشرعية لوجدوا أنفسهم مع المقاومة اللبنانية، ولو وازنوا خير الخيريْن وشرّ الشرّيْن لعلموا أن موقفهم العقدي فقط كان خطأ.
النبي عليه الصلاة والسلام تحالف مع خزاعة وهي بالمجمل قبيلة غير مسلمة، مع أنه “كان فيها مسلمون” وشاور الصحابة في التصالح مع غطفان مقابل نسبة من ثمار المدينة.
لكن هناك تخوّف من أن انتصار حزب الله سيجعل من الشيعة قوة صاعدة وقائدة في العالم الإسلامي؟
هذه قضية لها أهميتها، وهناك بحث جديد اسمه “صعود الشيعة في المنطقة العربية”، يتحدث عن بناء علاقة جيدة مستقبلاً بين الشيعة والمحتلين في العراق ضد السنة، والشيعة يعيشون حالة صعود في كثير من الجوانب، صعود فكري، وسياسي واقتصادي، صعود قوى في حالة نادرة منذ قرون.
ومن أسباب الصعود نجاح الثورة التي حرّرت الشيعة من الخنوع للمستعمر مما أثر على العقلية الشيعية بشكل عام. والقوة العلمية والفكرية والحس الإمبراطوري الصاعد، حتى إن محمد حسين فضل الله قال: إن هناك حالة اجتهاد في المدرسة الشيعية المعاصرة ربما تماثل ما جرى في القرن الثاني الهجري عند السنة.
بينما يعيش العالم السني حالة ضعف بالمقارنة، لا تتوازن مع حركة الاجتهاد الشيعية.
الحركة الاجتهادية هذه جعلتهم يتجاوزون الكثير من المواقف العقدية والفقهية أو هكذا يبدو- التي تعيق تحركاتهم، وتنازلوا عن الكثير مما علق في أذهانهم، بل إن هناك كثيراً من الدراسات التي انتقدت مدرسة التشيع القديمة والصفوية مثل كتابات حسين فضل الله، وأحمد الكاتب ،وعلي شريعتي، والبرقعي وغيرهم.
و أهم قضية شغلت العالم في العصر الحديث هي مواجهة الاحتلال، والشيعة أثبتوا عقدياً وعملياً استمرارهم في مقاومة الاحتلال، بينما السنة تخلّوا، وأصبحت حكوماتهم هي التي تمثل مصالح الاحتلال، بينما في العالم الشيعي هناك مواجهة صريحة مع الاحتلال.
لكن ألا يتعارض كلامك وبشكل صريح مع شيعة العراق الذي انخرطوا مع مشروع المحتل وأرسوا قواعده؟
أولاً الشيعة مثلوا حالة تحرير للعراقيين من صدام وهي قضية كبيرة بالنسبة لهم، الشيعة يتحدثون عن عراق ما بعد أمريكا، وأعتقد أن الشيعة في العراق طال الزمن أو قصر سيحرّرون العراق من الأمريكان، لكن هم الآن بحاجة إلى تصفية النفوذ السني الذي يزعجهم، فإذا تخلصوا ممن يرونه محتلاً داخلياً “السنة” كما لقّنهم الغربيون، فسوف يتفرغون للمحتل الغريب.
ما ردّك على من يقول: ما يجري في العراق من تقتيل للسنة على أيدي الشيعة يتحمله حزب الله؟
أي إنسان لديه نسبة من الوعي يستطيع أن يفصل بين ذلك، فهذا بلد وهذا بلد، وكل حالة تُناقش وحدها، وكل موقف يُتّخذ المناسب معه، على هذا ماذا تقول عن المواجهة بين إيران وأمريكا، هل ستتعسف من أجل أن توجد موقفاً يتواءم مع نظريتك؟
وضع الناس في مواصفات وصناديق عامة تريح العقل من الفهم والتفكير، ولذلك يقول عنهم السنة عملاء، ويصفون هم كذلك السنة بالعمالة ولن ننتهي.
وهذه حالة قد تفيد الخصوم ذوي قاعدة “فرق تسد” أكثر.
لكن إيران هي المستفيد الأكبر مما يجري، فبعد أحداث 11 سبتمبر تقلّبت إيران من مكاسب إلى مكاسب، بسقوط أفغانستان والعراق، وحالياً حزب الله في لبنان، ما رأيك؟
- هذا صحيح فهم استفادوا أكثر ليس؛ لأن أمريكا أعطتهم الفرصة بل لأن لديهم دولة واعية منتخبة تمثل الناس، وتمثل الشعب، لديهم حكم ديموقراطي قوي، واستطاعت هذه العقول القائدة أن تكسب في كل مكان، وهم يخططون للوصول إلى إمبراطورية كبرى.
نحن لدينا إمكانات أكبر من إيران لم نستفد منها، فليس صحيحاً أن تحملهم المسؤولية وتلومهم؛ لأنهم استفادوا .. لماذا تلوم الناس على فشلك؟
السنة أكثر عدداً وثروة ومواقع، فعلى الرغم من حصار إيران والتهديد العسكري والفقر إيران تسعى لبناء إمبراطورية. وكثير من السنة يبحثون عن طريق للخضوع والاحتلال أكثر!!
لماذا لا تغتنم دول الخليج الفرصة وتتحالف مع إيران لعلها توازن القطب الأوحد الذي يسيطر على العالم؟
أمريكا لا تسمح لدول الخليج أن تتحرك وتتعاون مع إيران بأي شكل من الأشكال؛
فدول الخليج لا تستطيع أن تمارس أعمالها باستقلال، بل تُمزّق من داخلها، ولا تتحد ولا يُسمح لها فكيف تذهب بعيداً؟
لكن لو تنازلت إيران عن طموحاتها فسوف تكون إيران وكيلة أمريكا في المنطقة وندخل تحت مظلة إسرائيل أو إيران.
ليس من مصلحتنا إنشاء عداوات مع إيران في هذه المرحلة؛ لأن إيران قد تتصالح مع أمريكا وبسرعة، وقد تبيع المشروع النووي مقابل ثمن إستراتيجي كبير أهم شيء فيه نوع من النفوذ في منطقة الخليج، ووسط آسيا والعراق.
وإيران تبحث عن قوة مضمونة في لبنان فدخلت في فترة من الفترات في تحالف مع حركة أمل، ثم انفصلت أمل إلى تيارين ليبرالي وهو أمل الحالية، وديني وهو حزب الله، فوضع طبيعي أن يتبع المتدينون إيران.
فإذا انتهت إيران من سوريا ولبنان وفلسطين فهذه خسارة كبيرة لإيران. تبقى مشكلة أخرى نفوذهم داخل العراق، فهل يمكن أن تفتح جبهة قتال أمريكية إيرانية؟ هذا وارد لو لم تخضع إيران لهم.
طرحت كوندليزا رايس مع بداية الحرب على لبنان فكرة “الشرق الأوسط الجديد” برأيك ما جدوى هذه المشاريع الأمريكية؟ وما هي أهدافها وخطورتها على المنطقة؟
دائماً المحتل ينظر للشعوب والأمم التي تسيطر عليها، وكأنه إدارة أو مبنى تشرف عليه، وتعيد ترتيبه على هواها كل فترة. لكن هذه المناطق فيها سكان وعقائد تأبى عليهم وكل هذه المحاولات أخفقت.
والمستعمر دائماً لديه سلاح “فرّق تسدّ”، ونجحت هذه السياسة في العراق بشكل واضح، لكن الذي يستطيع إفشال هذه المشاريع هي المقاومة بكل أنواعها. وهل تعلم أنهم يريدون أن يقسمونا ويعيدوا تقسيمنا مرات أخرى كثيرة، لكنهم لا يستطيعون تقسيم الولايات الإدارية في بلادهم بالسهولة نفسها، فبلدان العبيد لها حال غير حال بلاد الأحرار، والتعامل مع المستعمرات ليس كالتعامل مع الذات!!