-
إن كنت ترى أنني أسلمت الديمقراطية، فهل تريد أسلمة الاستبداد؟
-ما قبل أوهام لطف الله خوجة.
كتبت إلى الأستاذ عبد العزيز قاسم أشتكي إليه تأكيده على أنني سلفي، فإن كان يرى أن قوله معلومة تعريفية يسوّقها عني لمن لا يعرفني، فمعلومته ليست صحيحة، لأنني مسلم أعتقد بـ”إسلام ما قبل التقسيم”. أما إذا كان نقدا لا أعرف دوافعه، فلن أرد عليه، والموقف يقتضي الغفران من قبلي لأن معاداة الصحفي صعبة، كيف وقد رد علي صراحة في البريد الإليكتروني بنحو السياق التالي: إنك إن تعادي الصحفيين فأنت تعادي شعراء العصر، “وعداوة الشعراء بئس المقتنى”، ثم أشار لعلك كلفت بالماضي، وهو هين فعليك أن تدع ما مضى، وأن تنتظر ما تستقبل، من نقد على رؤوس الأشهاد، فقد أرصدت لك فخا جديدا، واستكتبت من يرد عليك، ويجرك للحلبة الصحفية راغما، بعد تمرد وتناء. ففوضت أمري إلى ربي، وترقبت صباح الجمعة، وكان ما كان مما قرأتموه بيد الدكتور لطف الله خوجة.
كان عنوان المحاضرة التي قدمتها في ثلوثية الدكتور سعود مختار “الانتخاب أو السرداب”، وقد أخبرني أنه أرصد لي ثلاثة ردود، من متخصصين ومهتمين بالموضوع، فعقب على المحاضرة الدكتور لطف الله خوجة، ثم عقب الدكتور عبد الرحمن السعيدي، وثالث المعقبين في اليوم التالي الدكتور محمد باخطمة، وقد حضر الأستاذ عبد العزيز تعقيبه في اليوم الثاني.
وقد عقب الدكتور السعيدي بملاحظات كتبها في أثناء المحاضرة، وقد أحسن وأفاد في تعقيبه على ما قلت، أما الدكتور خوجة فقد جاء بنص أكاديمي مكتوب مطبوع جاهز قرأه علينا ولم يكن له علاقة بالمحاضرة، إلا أنه توقع أنني من دعاة أو مؤيدي الديمقراطية فجاء ليرد على الفكرة التي سلم بها عني دون أن يسمع مني شيئا.
والحقيقة أن النص الذي كتبه ثم أعاد نشره ردا علي، كان ردا جادا بناه على ما رآه أساسا في الطريقة العلمية في الرد على المخالف. وأشكر له جهده واهتمامه بالموضوع، فقد بذل فيه جهدا مقدرا. أما كون كلامه حقا فتلك قصة أخرى، لأن نصيبه من الحق قليل، وقوله استعادة مكرورة لموقف غير ناضج، انتشر وشاع، ولا يضع حلا معقولا ولا يلم به، وقد تمنيت من قبل أن أتفق معه، وآمل بعد قراءته لقولي هنا أن نتفق، وأن يقلع عن وهمه، ويأتي لمنازل الشرع والعقل، وهي الصواب.
دعك يا صاحبي من الألفاظ، ولا تتعلق بها تعلق الغريق بقشة، وخذ المعاني والمقاصد، وانظر للصورة الكلية العامة التي تقدم، وأرجو أن تتخلص لحظة من قيود الألفاظ، ومعارك الكلام البعيد عن الواقع، وتلمس مصلحتك ومصلحة أمتك في أي قول أو عمل، ولا تكن أسير عرفك، ولا عادتك، فهي التي أنزلتنا دركات المواقع من بين الأمم.
كلامي سقته تحت عنوان: “الانتخاب أو السرداب” ولم يكن تحت عنوان “الديمقراطية”، وهذا ليس تخليا عن رأي في الديمقراطية، علما أنه حدث في محاضرتي التعرض لها وشرح حسناتها، ولكنها لم تكن مدار ولا فكرة المحاضرة الأساس، وقد أردت عن سابق تفكير في الأمر وتحديد أن أبحث موضوع الانتخاب.
والانتخاب المقصود هنا “هو وسيلة اختيار من يرعى مصالح الأمة”، وقد دللت على أن الانتخاب شرعة فطرية، في المجتمعات البدائية —الأقل تعقيدا مدنيا- وهي موجودة في جميع المجتمعات الأكثر تقدما مدنيا، وذات الشأن والقوة، وعليها يقوم ترتيب المجتمع القبلي قبل الدولة، وهي سمة للمجتمع العربي قبل النبوة وقبل الخلافة الراشدة، وهي سمة المجتمعات البشرية الواعية العاقلة، التي لم تدمرها الوثنيات العنصرية، والدول التي قادها حكام منتخبون هي دول محترمة من قبل سكانها، مرهوبة ومحترمة من قبل غيرها، من محبيها أو معاديها، وبالانتخاب ازدهرت أزهى عصور الدولة الرومانية في عصر المستشارين “كونسلرز” وهكذا حتى تصل إلى العصر الحاضر، تجد الدولة التي تتمتع بانتخاب قادتها تنعم بحرية، وقوة، ومساواة بين سكانها، واحترام بعضهم لبعض، وفوق ذلك فإن الدول التي يتمتع شعبها بالانتخاب تكون قادرة على تصحيح الخلل، وتجديد الدماء، وتلافي العيوب.
ومن قبل ذلك فنحن لا نجلب هذه الشرعة كاملة من غيرنا، فقد كانت سمة المجتمع الراشد، وسنة الخلافة الراشدة، التي أمرنا بالاقتداء بها لدى من يصدق بحديث: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ”. وهي أزهى عصورنا الإسلامية بعد عهد النبوة على الإطلاق، وفي عصر الانتخاب ذاك عرفنا القوة، والعزة، والوعي والاتساع،ورهبنا العالم وقدّرنا، وانفتحت لنا أبواب العالم، وفتح الراشدون عقولهم وأعينهم وأساليب حياتهم لكل تجربة ونظام إداري مفيد عثروا عليه في اندياح قوتهم، ولكن الذين خلفوا من بعدهم سموا كل العهود “خلافة”، وسموا كل متول “راشدا” لا بل وأكثر من ذلك. ولكن علينا أن نفتح الأعين والعقول، والهمم والقلوب، لرؤية جديدة للتاريخ، تساعدنا على العيش في زمن صعب، وتنقذنا من الموقف الهامشي، وهو موقف الخائف الرافض لكل شيء، أو موقف من يقبل ويبرر كل شيء.
لم يزل أنموذج الاختيار هاجس المسلمين في كل عصر، وهو موقف حق، واتجاه صحيح، فمعظم ضعفنا سياسي، وعلينا البحث عن سبيل آخر، وعلينا أمانة التفكير في الحل، ووضع المحاولات أو جلبها، ونستعيد أقوال المصلحين في عصورنا الحديثة، فقد عانوا من إفلاس الداخل الإسلامي فكريا وتنظيميا، ورفعوا بقوة الأمة إلى مستوى أحسن، ولم يبلغوا ما أرادوا، ونحن نستهدي بأصول الإسلام ونصائح المخلصين، وتجارب الأمم من حولنا، لعلنا نجد معرفة وإرادة، وكنا نتخيل أن المعرفة تتجه وتتكامل، وأنه ينقصنا نشر المعرفة، وتكوين الإرادة، فإذا بالسؤال يعاد عند الجذر، ليتحدث عن الديمقراطية وأنها فكرة وآلية!! وهل كانت غير ذلك، وهل هناك من ديمقراطية بلا فكرة؟.
دعك من هذا، فقد تعمدت الهروب من مصطلحين هما “الديمقراطية والشورى” لأن لكل منهما ثقله، وتفصيله، ودخلت من طريق “الانتخاب” وهو مدخل فيه من الأمرين ما أردت، ففيه قصدت الخلاص من إشكالية من يرى أن الديمقراطية كفر، وتخلص من قول من يرى أن الشورى معلمة، لأن الكلمة الجيدة إن حملها الناس معنى سيئا كان الأولى الخلاص منها ومن فهم الناس المنحرف لها، ولهذا جاءت: “ولا تقولوا راعنا وقولوا أنضرنا” والمراعاة كلمة صحيحة، ولكنهم لما استخدموها استخداما سيئا بمعنى الرعونة تركت، وتلك إشكالية في كلمة الشورى، فقد أصبحت تعني التبرك بالكلمة، والهروب من الزاماتها عند بعض الناس.
وقد اختصرت المحاضرة في بدئها بقولي:
“طالت غيبة الإمام المعصوم على الشيعة في السرداب، فأخرجوا لأنفسهم حاكما بانتخاب، وطال غياب الراشد على السنة، فظهر الإمام واختفت الأمة في السرداب. فإن كان ولا بد من غياب أحد الطرفين الأمة أو الإمام فليختف الإمام في السرداب، وليكن الأمر للأمة التي لا تجتمع على ضلالة، وتقيم حاكما عنها بالنيابة”.
ثم عقبت للحاضرين بأن على الناس في المنطقة أن يستمعوا ويعوا رسالتين مهمتين دوّتا في الآفاق، أولاهما من العراق، والثانية من الكويت، وأزيد اليوم ثالثة؛ فأما الأولى فهي رسالة العراق، وملخصها أن الاستبداد خيانة عظمى للأمة، فصدام استبد بالبلاد والعباد حتى أذل شعبه وقهره بأهل الدناءة من عبيد السلاطين، فأوسع الشعب ذلا ورعبا، ثم حاول بيع بلده للغزاة بسلامته الزهيدة، وبكل ثمن فلم يقبل الغزاة إلا امتلاك البلاد والعباد، وقتل المسلمين وذبحهم فمات منهم ما يزيد عن مائة وثلاثين ألفا، ونهر الدماء ساح في كل فج. ثم هو كما ترونه في القفص. فالعراق يقول لكم ليس هناك من حاكم معصوم، ولا مستبد إلا كان عارا على نفسه وعلى الناس، فإن كانت له كرامة أشرك شعبه، وإن كان في بلده رجال طالبوا بحقوقهم. وساعدوا حاكمهم أن يخرج من ذل الخيانة العظمى إلى شرف المشاركة والعدل والانتخاب.
أما الرسالة الثانية، فأرسلت من الكويت للجيران في الخليج خاصة، ولغيرها من البلدان عامة، وهي أنه لما اختلفت العائلة الحاكمة الكويتية على المنصب الموروث، تدخل مجلس الأمة، وجلا الغمة، وأكد اختيار حاكم بديل عن الفتنة، وبهذا فرح الشعب بشيء من المشاركة في حل قضاياه، أو الاختيار الجزئي، وهو خير لهم من أن يختار لهم غيرهم، أو تمزق الخلافات مجتمعهم.
الأستاذ لطف الله توقع الديمقراطية على الباب تهدى له، لا بل تخيل أن يجبر عليها، وأنه قد يتعرض لا قدر الله إلى أن ينافس على منصب تنفيذي، أو تشريعي، ولم يدرك أن بينه وبينها خرط الشبوك، وسكنى “..”، وما قولنا هذا الذي نقوله إلا إسهام في تحرير العقل القادم، وتبريح الطريق له وتسويته، لعل هذه الأمة أن تذوق يوما ما طعم حرية الانتخاب، وتفرح بحاكمها، ملكا أو رئيس وزراء، أو أي طريقة مفيدة لا تمر بنا على فوضى، ولا على عنف، ثم نرتقي فوق الجبرية، ونتعاون على الرشد ونسلك مسالكه. فترتقي الأمة بذلك حاكما ومحكوما، وتنعم بالطموح، وتذوق طعم العزة والكرامة، ويعم الأمن والثقة.
قضيتي وضع فكرة مستقبلية للناس، نهدي بها قادما مسترشدا، ومخلصا مستهديا، يرى الظلام فيسأل عن نور، ويرى الأزمة فيبحث لها عن حل، نتحاور معه حول الطريق في قادم الزمان، لا ندين ماضينا،-إن كان لنا- ولا نجمد عند تجاربه.
إنك إن لم تأت إلى هذه النصوص والمعارف بهمة من يبحث عن الحقيقة والمعرفة، ويفتح قلبه وعقله لما يقال، وإلا فإنك لن تفيد من مرورك على أي نص، ولا تجربة معيشة، فقبل المعرفة لا بد من وجود عقل معرفي يفتح ذهنه للفهم ولقبول القول أو رفضه، أما إن جئت لنص وقد أضمرت رفضا مسبقا، وحشوت رأسك بتهمة الكاتب أنه يدعو لانحراف وضلالة، فتأكد أنك قد صنعت حواجز مانعة من قبول الحق، مهما سطع نوره، وحسمت أمرك بأن تخضع للباطل مهما كان عواره. ولا علاج عندي ولا عند غيري، لمن وضعوا أصابعهم في آذانهم وأصروا واستكبروا استكبارا.
يصعب تناول كل الموضوع على هذه الصفحات، ولهذا نكتفي بالمجملات.