نقطة تفتيش
محمد الحضيف
رواية
صفحات290
الناشر هو المؤلف. 1427هـ 2006م
ليس بإمكاننا أن نجد الأدب بعيدا عن السياسة أو الأخلاق أو الروح أو التاريخ. وقد شغلتنا السياسة في ثوب الفكر والفكر في ثوب السياسة، أكثر من غيرنا، فمنذ مغامرة صدام في الكويت، ولم تزل عقابيلها منذ ذاك اليوم تولد وتفرخ في كل ركن، فالأدب والتاريخ للأحداث تقصيهما السياسة إلى زاوية صغيرة في هذه الرواية، وتلح على الكاتب فينتضي سيفه محاربا على جبهة قد لا يكون مختارا لها. سؤال الأخلاق والولاء للأمة أو خيانتها حاضر “في نقطة تفتيش” فأفغانستان قريبة في الرواية أكثر من بقاع الوطن القريب؛ لقد فرضت الأخوة -أو الهوية والخلق والمواجهة على جبهة بعيدة- نفسها على أبطال الرواية. فـ “أهم هدف للأدب هو وضع الأسئلة الأخلاقية” هكذا قال سول بيلو الحائز على جائزة نوبل.
الأم وأولادها أبطال الرواية، ومنازل أحداثها الأكثر أفغانستان والرياض، والأم هنا حنون ربة بيت متدينة، ترعى البيت والأولاد الكبار والزوج الطيب، جنة في خضم الزلازل والقواصم، فلا تخرج للمشاركة -كأم غوركي- ولا تتحزب، ولا تهرب، ولكنها تصمد وتصبر وتدعو الله.
أحزان الحضيف، حاضرة دائما، ذلك درسه الأول في أعمال له سابقة سامقة. وهو هنا يشرح الحزن في سيرة الأخوين عبد الله وأحمد الشاهد، ولكن الحزن يأتي بطيئا، الأم الحزينة يستمر حزنها وللأسف طوال الرواية، إلى آخر مشهد، قسوة الحقيقة، أم حزن الراوي، زاد على الأحزان حضور الخصومات التي أنست الكاتب سياقه مرة، أو غطت أحيانا على مشاعر أخرى.
الرواية فصل من فصول المواجهة الثقافية، بين الطرفين المتدينين والمتغربين، يوضح الكاتب موقعه بلا مواربة، مع الإسلام والوطن، وهكذا توحي لك الرواية، ويضع خصومه في مباءة …، فهم كما تصور الرواية مرتزقة يغيّرون أفكارهم بحسب الأسعار المعروضة، وبحسب المستفيد من تقاريرهم، يتنكرون للمبادئ ويرون العمالة فكرا، وثقافة وتقدمية وليبرالية..
ونقول: هونا ما … ترفّق -أيها الراوي- بخصمك!!
إنها رواية مخيفة، صارمة، قليلة الهزل، قلت فيها الرخاوة الروائية التي يبحث عنها القارئ الكسول، أو القارئ الذي ينشد راحة من الجد. لم تكن رواية هادئة، ولا ناعمة، على طريقة روايات معلوف، بل تمتلئ بالصخب والحرب.
صدمتني الرواية في الصفحة التاسعة المعنونة بـقوله: “في ذكراه”، قرأتها وصدتني عن القراءة، أصبت بحزن كبير، وأبعدتها عني آملا في عودة لها أخرى، أعدت بعد يومين المحاولة، وأعدت قراءة: “في ذكراه” ولم احتمل الاستمرار، وتركتها.
ألا يصدمك أن تقرأ —وأنت تعرف مهاد ما تقرأ- هذا الافتتاح: ولد وقلبه على جناح طائر، لا تكاد تراه إلا متلفتا منشغلا بهمّ لأمته أو همّ لمجتمعه حياته القصيرة ملأها بكثير من الأحداث والمواقف، يتألم أمام الأرملة ويبكي لليتيم، وينكسر لمرأى الفقراء والضعفاء، تفقّد أوجاع الأمة وجروحها النازفة، فرحل إلى جنوب الفلبين،.. وأفغانستان، وكان بينه وبين البوسنة بضع ساعات.. لكن سبق القدر.. أخطأته قنبلة في الفلبين، وقذيفة في أفغانستان، ورصاصات عراقية عند الحدود وهو ينقذ لاجئين كويتيين، ثم مات واقفا بين أهله وقومه.. شأن الفرسان.. عبد الله بن عبد الرحمن الحضيف السلام عليك .. يوم ولدت ويوم مت.. ويوم تبعث حيا.”
بداية محزنة على عادته، والكاتب يبدع في مثل هذه الموضوعات ويتقدم مجايليه.
وفي المرة الثالثة، حاولت وعزمت الاستمرار، وقرأت وقرأت، وانتصفت في الرواية في اليوم الأول، ثم أكملتها في الليلية التالية. يقولون: إن الرواية الأولى للكاتب هي سيرة ذاتية، نعم ولا، في شأن المؤلف، فمعرفتي به أنه لم يسافر لأفغانستان كما حدث لبطل الرواية أحمد ولأخيه عبد الله؛ أو ” آر بي جي النجدي” الذي تصنع منه الرواية أسطورة، قد تحتوي بعضا من سيرة العائلة. يماهي الكاتب بين أخيه عبد الله الذي قتل -وعبد الله أحد أهم شخصيات الرواية- الذي استشهد في أفغانستان. في الرواية قصة الخصومة تتكرر بين الإسلاميين و [المتأمركين]، بين المسلمين وخصومهم، وبين القاعدة والغزاة، بين طالبان والأمريكان.
نقطة تفتيش لم تخل أيضا من المعركة، ولا يصبر الحضيف من قرع خصومه في أول الصفحات؟ حرارة الأحداث ولهب الخصومة لم تعطه وقتا لبناء الشخصيات؟ هاجم منذ البدء يسخر من شخصيات يحددها ويحتقرها بشدة، من أمثال: ” الشيخ محسن والصحفي جميل ومساري ورئيس تحرير خضراء الدمن، لا يترك لهم من لذعات نقده مجال. فالشيخ محسن كان متطرفا، يلزم الناس بالجهاد في أفغانستان على أنه فرض عين، وكان حادا في موضوعات الولاء والبراء، ثم دارت به الدنيا ليقول عكس ما روّج له ودعا له أصبح يفتي “بعدم جواز مقاومة الاحتلال” الصحفي جميل تلمعه الصحافة والتلفاز، ويقدّم على أنه خبير في الحركات الإسلامية، والشأن الأفغاني، “يتحدث عن التطرف،.. سارعت إحدى البنات إلى البصق في اتجاهه، وإغلاق التلفزيون.. وهي تقول: “هذا هو الجاسوس الذي يقول أحمد..كان يندس في صفوف المجاهدين، بوصفه أحد العاملين في منظمات الإغاثة.. ليكتب تقارير للاستخبارات. والثالث مساري: الذي نشأ مغاليا يكفر المجتمع ويتلف منجزات عصرية، بوصفها مظهرا غربيا ومنتجا أمريكيا، كافرا، بسلوك كان قريبا من الأعمال الإجرامية. مساري هذا انتهى به الأمر مثل آخرين، بعد أحداث سبتمبر ليذوب تماما في ذلك الطرف الآخر ال…، ويتقمص طريقته في التفكير. ينقلب مساري على نفسه وعلى الجريدة التي كان يحقرها وأهلها، ويصمها بالعمالة لأمريكا، وكان يتعمد تحريف اسمها ويصفها بالشرك والكفر، فيعمل فيها؛ وقد كان يسمي رئيس تحريرها”المسخ عبد الشيطان الضال” ينقلب مساري ليصف أمريكا ..الرؤوف الرحيم، أما المسخ فقد أصبح اسمه :”الكاتب الجميل”
يفلت السياق والقلم ، ويكتب على لسان طرف ثان أو ثالث بعد أن ينكر تصرف هؤلاء المشايخ والكتاب المتطرفين إسلاميين وكيف ورطوا الشباب وحمسوهم، ثم “تخلو عنهم على طريقة إبليس “إني أرى ما لا ترون” فيقول: “الشيخ محسن منتكس، يفصل الفتوى الدينية لتوائم وضعا نفسيا يعيشه.. الأستاذ جميل عميل كان يؤدي مهمته الأصلية بوصفه موظف استخبارات، أو أن مساري والذين على شاكلته هم كما يقول: مجموعة مرتدين، مرتزقة انبطاحيين يعبرون عن شخصيات مريضة متخلفة.. غير سوية.تنتقل من تطرف إلى تطرف آخر.
ثم ينقل عن جهادي يناقش ويتحدث عن المشايخ: “لقد سيطر الوهن على هؤلاء المشايخ .. يخافون من الحكام أكثر من خوفهم من الله.. كلهم ما فيهم خير …عملاء سلطة، وعباد دنيا.. وبعد أمد يعود للصحيفة إياها ويتحدث عن محرريها الذين يشربون الخمر في نهار رمضان، ويسمونه نخب رمضان، ضالون فاسدون.. ويصطادون بالبريد الإليكتروني الساقطات، بل طاردوا حتى المعوقات، .ويشتم هؤلاء الليبراليين العلمانيين “…لماذا هذا الحب لأمريكا والكره للإسلام وأهله”. وذلك بعد أن يسخر بإقصائية وصفاقة رئيس التحرير. في حادثة لا يتميز التاريخ فيها عن الخيال، فالرواية فيها من الخيال بمقدار ما فيها من الحقيقة. ويبقى النص مشبعا بكثير من الجدل والحجج والردود، بين أطراف عديدة، وتزيد حيويته عند هذه المجادلات، وعند وصف القتال والمطاردة والتخفي! وفي لحظات تحليل طريفة يتحدث الرواي عن استخدام الكنى بين المجاهدين، فهي إخفاء للأسماء الحقيقية، وهي تيمن بشخصيات رمزية، ارتفعت عن الشهوات والأنانية، وهي ارتباط برمز وإنجاز، وهي تقديم للأمة برجالها التاريخيين على الفرد الأنا، وهي قطيعة مع حاضر ذليل مهزوم وارتباط بماض عزيز منتصر.
تحليل مشوق ونادر. لا يخلو من تعاطف واضح مع الفكرة، ويترك بعض المتبادر إلى الذهن المعروف عن العرب. فإذا كان التكريم عند بعض الشعوب أن يكون نداء القرب والمودة باسمه الأول، فعند العرب أن تناديه بكنيته.
تشكو الرواية من العجلة، والضمائر تضطرب بعض المرات، ولا أعرف لمن تعود أحيانا، علامات الترقيم، تشكو تنافرا وخروجا على المعتاد. والمقطع الأخير جاء من بعيد تكاد تقول له ليس هنا مكانك؛ لأنه جاء بلا مقدمات من أي مكان، بحث عن المرأة فأحزنها في مشهد الوفاة. وكأن الحزن نصيبهن ونصيب أمهن بلا أفراح! أقنعة لم تخف الحقيقة، وجدل ثقافي مباشر، تهم بالعمالة والتطرف يرمي بعضهم بها الآخر، وتظهر النقاش على السطح وتكشف ما كان مستترا. الكاتب هنا له وجه جديد، وطريقة جديدة، تشتد جاذبية النص وقوته حين ينسى أنه راو، ويشتم خصومه فلا يترك لهم ملتجأ، وحين يقص عليك أخبار المطاردة وقلعه جهانجي العجيبة الأحداث حقا، هل هذه أسطورة أم حقيقة؟ فسرده لقصص إغراق المجاهدين والجرحى والمرضى والجوعى الذين لا حراك بهم بالمياه، ثم ليصعقوا بالكهرباء البقية من الأحياء؟ إغراقهم في قاع القلعة العميق، ثم سكب البنزين عليهم لإحراقهم؟ هل فعلها الأمريكان؟ ثم الحديث عن شاحنات الموت وقتل الركاب داخلها؟ وصفه المريع لحال المجاهدين في شاحنات الموت، وهم ضمأى يلحس بعضهم جلد الآخر عله يجد رطوبة عرق تخفف عنه من شدة الضمأ؟ أم أن أحدهم كان يأكل الآخر من الجوع؟
إن اتفقت مع الكاتب أو خالفته, فرؤيته للأحداث والتحولات تستحق الوقوف عليها، إنها ليست مجرد رواية.
ترى بعد أن وثق الكاتب لبعض قضايا المرحلة، وأعطى رؤيته لمسائل خلافية، ورأيه في شخصيات في الأخبار، وبعد أن أطلق الثعبان سمه، وأثخن في خصومه، وأفرغ غضبته التميمية، هل يعود لنا الفنان الكبير، الذي قرأنا له في ديمي وموضي؟ قد تكون هذه الرواية عملا لا بد منه، إنها جزء من تجربة الفنان وفكرته، ونحن نأمل المزيد، من بارع لا تنقصه المعاناة ولا الأداة.
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا.