جان جاك روسوالتنوير يعني الإنارة، في معناه المباشر حسب بعض اللغات الغربية، وهو نفس المعنى بالعربية، وجود الإضاءة، ومعناه الاصطلاحي هو علم على مدرسة فكرية سادت في أوروبا في أواخر القرن السابع عشر والثامن عشر، وهي مجموع الأفكار المتعلقة بالله والعقل والطبيعة والإنسان، تركبت هذه المكونات وكونت إجماعا واسعا ساعد على قيام ثورة وتطوير في الفنون والفلسفة والسياسة.

ومن رؤوس هذه المدرسة أعلام التنوير الفرنسيين، وكانوا غالبا متمردين على الدين/ أو الكنيسة، وملحدين أو مستنكرين لهيمنة الدين على الحياة، وقد استفاد من حركتهم المجتمع الغربي فائدة كبرى في مسيرته للخلاص من نفوذ القساوسة والحكام المستبدين، ذلك التحالف الدنس الذي كان يجمع الدنيا والآخرة في أيدي القساوسة والقياصرة. وقد كانت الحركة أعنف وكان رجال هذه الحركة محل اضطهاد ومطاردة. ولكن أعمالا مثل الثورة الفرنسية، كان لهم أثر كبير في انفجارها، وكان فولتير “وهو اسم كتابي له، فاسمه فرانسوا..” من الذين كانوا يرون التغيير القادم الذي ساهم كثيرا في صنعه، وذاق مرارة الإصرار على فكرته، وتغرب وكتب رسائله، وكان منهم روسو، وشخصيات أخرى كثيرة.

وللتنوير في بلدان الغرب أشكال تختلف من مكان لآخر، فالتنوير في بريطانيا كان متصلا أكثر بالدين، ينقد جوانب منه ولا يتخلص منه، وهكذا في بقية عالم البروتستانت، حيث غلبت دعوة التسامح الديني، مع شك في إلحاد أصحاب هذا التسامح، كما نقل نيوتن عن صديقه لوك، لأن نيوتن كان متدينا جدا، ولكنه كان يكفر بالتثليث، رغم أن أول عمل يقتات منه في الجامعة “كيمبرج”، أن عمل موقظا للطلاب لصلاة السحر. أما في المناطق الكاثوليكية وبخاصة فرنسا فقد كان التنوير أقرب للإلحاد، ولمرجعية عقلية. وغالب التنوير والعلمانية اللذان شاع ذكرهما أو ممارسة بعض ظواهرهما في العالم العربي استنسخا من الطبعة الفرنسية المتطرفة ضد الدين. ولهذا فإن من غير المناسب استخدام وصف متنور وكلمة تنويري لوصف مسلمين بها، لأنها مدرسة قائمة بذاتها، لها ملامحها، ومن ذلك الموقف من الله، نكرانا لوجوده، أو سلبا للالتزام بأمره، وللمدرسة موقف من الكنيسة، لا يمكن نقله كما هو إلى المؤسسات الدينية في المجتمع الإسلامي، لأن الفساد الذي لحق أو يلحق بالمؤسسة الدينية لا يقارب ولا يماثل ذلك الانحراف، ولها جوانب ليست كلها صالحة، وللمدرسة رؤية لقضية العقل لا تتفق مع الإسلام.

* إسلاميون أم تنويريون؟

لا يجتمع في إنسان التنوير كاملا بمعناه الاصطلاحي والإسلام، فمقصود عدد من المسلمين المعاصرين بالمصطلح معنى آخر غير المصطلح المنقول، فهم فيما أفهم -ولهم أولوية التوضيح- يرون إعادة دور العقل في فهم النص، وغالبا على أصله الشرعي الأول، ونقد بعض تصرفات المؤسسة الدينية، ونقد تصرفات المؤسسة السياسية، ولهذا أصبح واجبا نحت كلمة مناسبة للمفهوم الذي يقصده بعض المسلمين. وكثيرا ما تقف قلة المعرفة، أو ضعف اللغة، أو التساهل حاجزا ضد صياغة اللفظ الصحيح، فينتقل المعنى السيئ، ويحمل سلوكه السيئ معه، فقد كانت سلوكيات جماعة كبيرة من التنويرين الأوروبيين الذي سمّوا أولا بذلك علامة على الانحطاط الخلقي، والدناءة البالغة، -كما في سير حياتهم- فقد كانت لهم أخلاق يعف عنها سقط الناس، ويترفع عنها الملاحدة.

والتساهل في إتباع اسم المدرسة سوف ينتج بلا ريب عندي، إتباعا لسمتها، وبالتالي أتباعا مقلدين، يفقدون الفكرة، ومن ثم ربما سيطرت على بعضهم أخلاق أهل الزندقة. ويصبح التنوير تبريرا لعدم التزامهم بشيء من الإسلام، ولا بالتنوير بمعناه الغربي، فهم أتباع للتسلط وآلاته، -ضد التنوير السياسي- وهم مروجون للغزاة ولمطالبهم في تدمير المجتمع -أي ضد العقل والمصالح الاجتماعية- ، فعلى الصادقين المخلصين صناعة فكرتهم بأنفسهم اسما ومضمونا، وبهذا يتحقق لهم بعض ما يودون، وينسجمون في فكرة أو عمل لا يصادم قناعاتهم، ولا يلحقهم بأعداء مجتمعهم. لأن فيهم من الجادين والصادقين، ومن يحبون الخير لأنفسهم وأمتهم عدد كبير، ومقدماتهم في الحاجة للتغيير ونيتهم الطيبة، لا تؤدي لما يريدون، وهم يعلمون شواهد ذلك ونتائجه، فلو قلت لشخص أنت تنويري فسوف يبحث عن الفكرة وأسلافها، يغرس جذوره عند الجذور، ويروي النبتة من المنبع، فتثمر بما لا يحبون.

التعليقات

أضف تعليقا

الاسم (مطلوب)

البريد الإلكتروني (لن يعرض للآخرين) (مطلوب)

الموقع

أطلق العنان لحروفك