عقد المعرض في الفترة من: 21 شعبان إلى 26- 1425هـ الموافق: 5-10 أكتوبر2004م وافتتحه المستشار الألماني شرودر، وأثنى على العرب، وعلى دورهم ومكانتهم، وتحدث عمرو موسى ممثلا للدول العربية، وقرئت كلمة في الافتتاح لنجيب محفوظ، لأنه فاز بجائزة نوبل، وقد كانت الكلمة عادية وتمثل عقدة العرب، فلا قيمة يعطونها من عند أنفسهم إلا التي أعطاها غيرهم، أو الذين اعترف بهم الآخرون منهم. وكان أولى لهم أن يكرموا كاتبا أو كتابا يشهرونهم في العالم ويعرفون بهم.
هذا المعرض للكتاب يعود تاريخه لنحو خمسين عاما، ذكرى لموطن الطباعة الأول، وبلده، وقد تطور ليكون ساحة تجارية للناشرين للتعريف بمنشوراتهم، ولبيع حقوق النشر والترجمة بلغات أخرى، فقد كان سوق البيع من اللغة الإنجليزية إلى غيرها من اللغات على أشده، وحضر الناشرون الكبار من أمريكا وبريطانيا بعشرات البائعين، الذين يبيعون حقوق الترجمة للكتب التي سوف تصدر في الأشهر القادمة، وعرضوا قليلا جدا من مطبوعاتهم، لأنهم يتوقعون من زبائنهم أنهم مطلعون ومتابعون لما سبق نشره. كما أن المعرض ليس لبيع الكتب، بل لتبادل النشر والتعارف بين الناشرين والتعرف على تقنيات التجارة الجديدة في الكتب، وما لم بها.
ومن ملاحظة الكتب الإنجليزية وجدت أن هناك موجة من الكتب الناقمة على اليمين الأمريكي المتطرف، والذي يمسك بزمام أمريكا، وقد حرص الناشرون الذين لقيتهم على عرض الكثير من هذه الكتب، إما لرواجها في أمريكا أو بسبب توقع الناشرين الأمريكان بأن الأوربيين وغيرهم مهتمون بهذا النوع من الكتب. وقد لاحظت كتبا قليلة ذات أهمية للقارئ العربي. وفي الفترة الأخيرة كثر إقبال العرب على شراء الحقوق والترجمة من الإنجليزية، وترجمت كتب عديدة، بعضها عرضه مترجموه، ولكنها غالبا كتب تصب في موضوع الإدارة أو السياسة سريعة الربح…
ولم أكن متفائلا بالحضور العربي في فرانكفورت قبل الذهاب إلى هناك، بسبب أن الحكومات العربية هي التي حددت المشاركين في المعرض، والجامعة العربية هي من تولى إدارته، وكان التوقع أن تكون نتيجة المشاركة العربية سلبية لدى كثيرين من الذين ذهبوا للمشاركة، أو حضور اللقاء. ومن الذين توقعوا فشل المشاركة العربية ناشر مثل عدنان سالم صاحب دار الفكر العربي، من دمشق، فقد استأجر في طرف محل عرضه للكتب مساحة مناسبة قدم فيها ندوات، أثبت حضورها وزحمة الناس عليها ذكاءه وحسن تصرفه، فقد دعا للحضور وللمحاضرة في مقره رجالا من أمثال مراد هوفمان، المسلم الألماني النابه والدبلوماسي المتمرس، والذي لم يستفد العرب منه بطريقة لائقة بمكانته، وجدارته، ودعت الدار محمد سعيد رمضان البوطي، وجودت سعيد، وهبة رؤوف عزت وغيرهم، فاستطاع أن يجعل من داره دارا للتعريف والدعوة ورفع راية الإسلام في سوق مهم، وأشكره هنا لأنه بادر مبادرة فردية غير حكومية، مؤثرة وناجحة، وحملت للعالم أسماء مشهورة ومشكورة، مقارنة مع الذين كان همهم التعريف بعقدة نقصهم، فحاولوا محاولة يائسة أن يثبتوا للغرب أنهم تعلمنوا، وتبعوهم، فكان الخلل واضحا، ففي ندوة لشعراء مستحدثين لا شعر ولا شعور لديهم؛ أرسلتهم بلادهم أو الجامعة العربية، على نفقتها، لنحو عشرة أيام، وسجلت أسماؤهم في قوائم المتحدثين، ورأيت أحدهم جالسا بجوار مقدم المتحدثين، والقاعة محتشدة، يقول عندما طلب منه الحديث يقول: “لن أتحدث ولن أقدم لكم شيئا مما جئت لأجله احتجاجا على اللجنة المنظمة” أو طريقة التقديم، ولم يذكر سبب صمته ولا لماذا ولا ما هو احتجاجه، فكان تصرفه وموقفه موقفا ممجوجا، وبقي على المنصة، خرجت حينها من القاعة، ثم قال لي صديق سمع أو شهد أن المتحدث الآخر الذي تلاه على قلده، و فعل كسابقه واعتذر بلا شرح لسبب الاحتجاج، وبقي العرب والعجم ينظر بعضهم لبعض لا يعرفون ماذا يحدث، ولم يعرف أحد سبب مجيء هؤلاء، ولا سبب عدم مشاركتهم!!
ويبقى السؤال هنا من هؤلاء؟ ولم قدموا على غيرهم من الأجدر بالحضور والمشاركة؟ وهل لهم نتاج يستحق أن يذكر أو كتابة ومشاركة تستحق الحضور والاهتمام؟ لقد فهم بعض الحاضرين أن هؤلاء لا شيء عندهم، فاختفوا وراء الاحتجاج..
أما المشاركة الإسلامية الرسمية في المعرض فقد كانت ضعيفة وخجولة، وكأنها تريد أن تقول إن الإسلام ليس الخط المهم أو الأهم في حياتنا. أما المتحدثون العرب في الحلقات النقاشية فقد أجادوا، وترفع أكثرهم عن لهجة الوطنيات، والإقليميات واللغة الحكومية قدموا بجدارة موقفا إسلاميا عربيا معتدلا وناضجا، وكان الأجانب يريدون أن يسمعوا شيئا عن الإسلام، وعن ثقافة المسلمين، ولكن الموقف الرسمي لم يضع هذا الجانب بالطريقة التي تليق به. لأن مسألة الإسلام والمسلمين هي شغل الناس الشاغل أكثر من الثقافة العربية.
ومجمل الندوات الثقافية –على الرغم من قلة حضوري لها، ولكني اعتمدت على تقييم رجال حضروا أكثرها وكتبوا ملخصات لها- كانت موفقة، ومتوازنة من المشرق والمغرب العربيين، وهو موقف مشكور للمثقفين الذين قدموا خطابهم بطريقة موحدة غير متكلفة.
ومن الجوانب المضيئة والمشكورة لشخص آخر تجاوز دوره دور الدول، ما قام به الأستاذ التركي الشهير فؤاد سزكين، فقد رفع رؤوس المسلمين بالمعرض الذي ألحقه القاعة، وهو معرض جمع فيه تحفا من تراث العرب الحضاري العلمي، حيث درس المكتشفات العلمية العربية، والمخترعات التي عرفها العرب قديما، وما توصلوا له من صناعات، مثل تسخير البخار في توليد الطاقة، وصناعة آلات تدور بالبخار، وآلات للشواء وتقطير المياه، واستخراج العطور ورصد الكواكب ومستشفيات وخرائط، ومخترعات كنا نتوقع أنها لم تعرف إلا في العصر الحاضر. وقد جمع صورها وعرّف بهذه الكشوف في خمسة مجلدات مع صور لتلك الآلات. ونشر الكتاب بالألمانية والفرنسية. ومثل عمله الرائد إحراجا للعرب الذين فصلوا الإسلام عن عرضهم الثقافي، أو جعلوه هامشيا أو مبعدا كما حدث في تصرفهم مع موقع المسجد في موقع ملحق في الطابق الثالث، فهو الموقع الوحيد الذي لم يعط عناية ولو بشخص واحد يعرّف زوار المعرض به وبمعناه، وقد كان المهتمون بالإسلام أكثر من المهتمين بكثير من الدول العربية. ولكن لم يكن هناك عند المسجد من هداة ولا معرفين بالإسلام، رغم ازدحام الألمان عند المسجد وبخاصة النساء يبحثن ويحاولن التعرف على الإسلام، فلم يكن هناك من يهتم، علما بأنه يوم جاء موعد الصلاة المسيحية يوم الأحد امتلأت الممرات بالدعوة للصلاة في الكنيسة، ولا أعلم أن أحدا نبه المسافرين ولا حتى المقيمين لصلاة الجمعة، وقد كان للمسلمين حضور كبير جدا في أغلب أرجاء المعرض.
بعض الدول العربية اهتمت بالفن الشعبي، والصناعات القديمة، ولكنها لم توصل رسالة ذات أهمية سوى إشعار الغربي بأن العرب لم يزالوا في قاع التخلف، يخرزون الجلود، وينسجون على اليد.
كانت هناك قاعة للكتب الصادرة من الدول العربية، وهي قاعة موحدة وغير مرتبة بأي شكل من الترتيب، وهي مجرد عرض للعناوين، ولعل ذلك كان كافيا فيما يرى المنظمون لأن الألمان لا يفهمون تلك الكتب، ولا يعرفون لغتها. وكانت هناك قاعة لمكتبة الإسكندرية، وتلك القاعة لم تكن بذات أهمية.
وقد حضر عدد كبير من الجالية العربية في ألمانيا وفرنسا ودول مجاورة، وكانوا مهتمين بالحضور العربي، وبالثقافة العربية وبأن يجدوا وسائل تعليمية لأولادهم، ولكن يجمع العرب غياب أهداف محددة لحضورهم، ولدور المعرض في ثقافتهم، وذلك ما لمسته من عديدين، حيث إنهم لا يقدرون المكاسب الكبيرة التي كان يمكن أن يعود عليهم بها المعرض.
فمثلا كان الناشرون من أمم أخرى يبحثون عن كتب عربية صالحة للترجمة إلى لغاتهم.
ولم يعدّ العرب أنفسهم لهذا ربما لعدم ثقتهم بأنفسهم، إلا مكتبة عربية واحدة -في حد علمي- أحضرت قائمة بمنشوراتها. وقد كانت هذه فرصة يصعب تكرارها للتعريف بالكتاب العربي وترجمته للغات أخرى. وقد شهد الكتاب الإسلامي ما يشبه الغياب وبخاصة في اللغات الغربية. فيما عدا الكتب الغربية التي تناقش الإسلام وتربطه غالبا بالإرهاب.
ومن المعروف أن العرب مشهورون بطعامهم عند الغربيين، وكانت هذه أيضا مناسبة للتعريف بثقافتهم في هذا الجانب، ولم يقدم العرب ثقافتهم في الطعام ولعلها أهم جوانب القبول الغربي لو وجد شيء من القبول بهم اليوم، وقد يكون السبب في غياب المطاعم العربية أهمية الحجز المسبق لباعة الطعام، فجرّد المعرض من هذا الجانب.
والجالية العربية في ألمانيا كانت ضعيفة التمثيل، وقليلة التأثير في مسار البرنامج، مع أنه حضر كثيرون، قام عدد منهم بالمساعدة التنفيذية في الكثير من الخدمات التعريفية والاستقبال والترجمة، وقد لوحظ على كثير منهم الخوف الشديد من أن يقدموا أو يشاركوا في أعمال إسلامية عامة، كالتعريف بالإسلام، بسبب الرعب الذي انتشر في الجالية، وبعضهم بسبب أنهم قدموا لأوروبا من بلاد استبدادية، مرعبة للإنسان، وقد تحدثت مع أحدهم وكان يصلي في المسجد، فرفع يديه وولى هاربا قول لا علاقة ولا شأن لي بما تقترحه! وتحدثت مع آخر فوجدت القلوب التي وفدت من بلاد خلد الاستبداد فيها الرعب، ثم أرهبها التطرف المسيحي فأصبحت قلوبا ضعيفة واهنة خائفة نجح خصومها في إذلالها وهي تسمي ذلها وخنوعها وعيا ومعرفة وتجنبا لما لا علاقة لها به ولا تدري أنها تهدر قيمتها، وتنهي وجودها بهذه الطريقة الخائفة المرعوبة، وتنهي حقها في بقاء هويتها وفي الكرامة الإنسانية.
أرجو أن تكون تلك النوعية من الجالية قليلة العدد، ضعيفة التأثير، ولكنها فئة مرعوبة، وفدت من الذل لتلبسه مرة أخرى في بلاد غريبة وبحجج جديدة، أهمها حق الإقامة ولو على هذه الحال.
Oct
14
مشاهدات من معرض فرانكفورت الدولي للكتاب
14 October 2004 | 0 تعليقات