إدوارد سعيد شغل المثقفين في العالم منذ ربع قرن, ذات يوم في ممرات الجامعة لقيت شابا يحمل لوحا خشبيا للدعاية على صدره يقابله آخر على ظهره, مكتوب على الجهتين إعلان عن محاضرة لادوارد سعيد, فتأكدت منه عن حقيقة قدوم المحاضر فقال إن اللقاء هو فقط عرض لفيلم مسجل عن محاضرة له سابقة, وأنهم يتوقعون جمهورا كبيرا لها!! ثم التقيت بمبشر قضى أكثر ردحا من حياته في بلاد الشام يدأب لإنشاء الكنائس وتوجيه الشباب العربي للنصرانية, من لبنان إلى القدس لا يفتأ, يحاول عسى ولعل, ولكنه كان يسبح ضد التيار, وقد ربطت السياسة بين موقفينا, فهو يناصر بحكم المعايشة واختلاف الموقف قضايا العرب في أمريكيا, وهو كاثوليكي, ومن أول من سمعت منه وصف المتعصبين البروتستانت لإسرائيل بـ”الصهاينة”, وكان يأنف من مجرد ذكرهم, ويراهم طائفة تسخر بلاده لمصلحة إسرائيل, ويهز أريحيته للحديث ذكر رجلين فقط في تاريخ العرب الثقافي الحديث, هما إدوارد سعيد ومحمد حسين فضل الله, لأنه يراهما “متطرفين جدا في الذكاء”.
ثم يتحدث بمزاج شاعري عن تلك الليلة العامرة التي شهد فيها في مؤتمر المستشرقين في شيكاغو مواجهة تاريخية بين إدوارد سعيد وبرنارد لويس, بعد ضجة كتاب الإستشراق لإدوارد سعيد, وقد أدار المواجهة مؤرخ شهير هو “ويليام مكنيل”, مؤلف كتب مهمة في التاريخ منها: “صعود الغرب”. وكان مكنيل وقتها رئيس رابطة مؤرخي أمريكا —كما فهمت- من شاهد الحادثة. ثم يصف كيف قدم مكنيل الرجلين الخصمين, فكانت له صرامته, إذ حدد عشرين دقيقة فقط لكل منهما أن يقدم رأيه وحجته, ثم وقت للرد, ثم يجيبان على أسئلة قليلة من القاعة, والمناقشة في وقت محدد يضاء قرب نهاية كل سياق نور أصفر موح بنهاية الوقت, ثم ضوء أحمر يوقف المتحدث.
قال كان اللقاء متعة ووجبة ثقافية رائعة, تساوي أن يسافر لمشاهدتها المهتم, وقد استطاع إدوارد وهو الأديب المتمكن أن يجعل الحاضرين يسخرون من لويس, ويأسفون لضعفه أمام العربي الذي استولى على المجال دون مناوئ قادر على المواجهة. قال لقد كانت ليلة جميلة أن يستمع نخبة المثقفين للرجلين اليساريين الذين شقا معسكر الثقافة المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي, فأما لويس الذي أصبح صهيونيا, والذي كان يساريا ثم إرتد -كما يقولون- ليمثل دور متطرفي الصهاينة, ويسخر حياته الباقية الطويلة في الإفساد الثقافي إلى اليوم. إفساد الرؤية الغربية للعالم الإسلامي, وإفساد الحكم على ثقافتنا, وتشويهها قدر طاقته, والتهوين منها, ونشر الرعب في قلوب الغربيين منا. وبين شق آخر هو بقية اليسار, من المتمردين على ثقافة اليمين المتطرف الصهيوني, وقد قاد الموقف اليساري في هذه القضايا إدوارد سعيد, المثقف اليقظ, وحف به قوم لا يقل بعضهم شهرة عنه, رأت فيه معلما لنهجها, ومدافعا عن المظلومين. ولد في القدس عام 1935م, وتلقى بداية تعليمه في القاهرة, ثم أكمل في أمريكا في أكثر من جامعة, وانتهى به الأمر أستاذا للأدب الإنجليزي في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. لقيته مرة واحدة في قاعة ويستمنستر في لندن يقدم مقابلة أو محاورة عن المنطقة, وعن جوانب من حياته, وكانت إمتلأت القاعة قبل بدء اللقاء, وأثناء المحاضرة, وكان بجانبي أستاذ في أحد الجامعات اللندنية, بيده مسجل أما أنا فقد كتبت معظم اللقاء, وانتهت الأوراق التي بيدي, فطلبت منه مزيدا من الورق, إذ كان يحمل رزمة من الأوراق ربما ليكتب لو لم يعمل المسجل, ولما انتهى اللقاء, قلت: كانت المحاضرة “جيدة”, فغضب جاري وقال ماذا تقول إنها “عظيمة” وليست مجرد جيدة, أدركت من استنكار جاري أنني هضمت مستوى اللقاء, وشعرت أنني قصرت في حق المحاضر. وقد كانت محاضرته حقا كما وصفها جاري, إذ يمتلك أسلوبا حواريا مقنعا. ثم نزلت من الطابق الأعلى لأجد الناس يصطفون لالتقاط الصور معه, ولما خف الزحام صافحته وشكرته وذهبت, و بدأ حديثه مع كاتب اسكتلندي يتحادثان في كتاب ألفه الأخير عن الموسيقى, ولأن إدوارد حجة في الموسيقى كما يكتبون عنه, فعندما يقيّمون عمله وإنتاجه يضعون إلى جانب مكانته في السياسة والأدب الإشادة بمعرفته في هذا الميدان وتقدمه بين الناقدين لهذا الفن أيضا. واحتفل أخيرا بمرور ربع قرن على صدور كتابه المهم “الاستشراق”، وهو الكتاب الذي أخرج مؤلفه للناس من مجرد ناقد أدبي أكاديمي, ومن ناطق سياسي ذي صوت عال للمسألة الفلسطينية إلى مفكر عالمي مضاد للاستعمار وثقافته, شق الكتاب للناس دربا جديدا في التعرف على ظاهرة الاستشراق, وما يؤسس لها و يلحق بها من ثقافة, وكان لتلامذته دور مهم في تقديمه وتأليف الكتب عنه, وله تلميذة من الهند أصبحت تدرّس في الجامعة نفسها, كتبت عنه وجمعت له كتابا مهما, وقد اهتمت بموضوع لغة الإستعمار, وكتبت رسالة علمية لها أهميتها في هذا الجانب, مما أغرى المثقفين الإسرائيليين بدعوتها وتكريمها, تخفيفا من حملتها عليهم, أو حرفا لها عن طريقها, وإغاظة لأستاذها, وهكذا يقتنصون المثقفين الجدد!
اشتهر الفقيد ناقدا قبل أن يفاجئ الناس بـ “الاستشراق”, هل كان مبدعا في كتابه؟ يقول خصومه لا, فلم يزد على أن جدد أقوال الناقدين, ونصوص الأدباء والرحالة, ومواقف السياسيين ليصوغ منها حملة شرسة على الاستعمار وأربابه, وربما رآها آخرون حملة ناقمة, عمياء, دل عليها كتابان تاليان هما كتاب “تغطية الإسلام” و “ثقافة الإمبريالية”, لقد جار عليه خصومه, وذلك ردهم على لذعاته ولوذعيته. كتاب الاستشراق فيه تطبيق لنظريات ميشيل فوكوه, ولا يضره ذلك ففلسفة فوكوه وجدت تطبيقا ميدانيا لها, في مسائل المعرفة وعلاقتها بالسلطة, وإعجاب إدوارد بفوكوه كبير, حتى أنه اهتم بحضور محاضراته, وربما حضر درسه الافتتاحي. وكان كتاب إدوارد سعيد قوة لكتابات شيخه, وتطبيقا للنظرية تجاوز بالتطبيق والتفريع فكرة صاحب نظرية المعرفة سلطة أو”المعرفة تستتبع السلطة” وأسلوبه العالي نفخ الحياة في جفاف التنظير. وقد غزاه السرطان وأرهقه, وفي مقدمة هيكل لكتاب إدوارد عن أوسلو ومحادثات السلام, سلاّه هيكل عن السرطان بأن الأمراض تختار أجسادها. كان شجاعا, تميز عن مثقفي الشرق بكشف زيف الغرب واستغلاله للمعرفة, وسيلة للاستعمار, وكان شجاعا بتجاوز عقدة خنوع المثقف وحرصه وتبعيته وتهافته, وخالف نهج مثقفي العرب في المهجر الذين يلوذون بالصمت خوفا من نفوذ اليهود, وحرصا على مواقعهم الوظيفية, انضم لمنظمة التحرير بقناعة, قامت الدنيا عليه في جامعة يتنفذ فيها يهود نيويورك, ولم يبال بعرائضهم المطالبة بطرده, يقول لم أملك إلا أن أقف على الحدود اللبنانية وأرمي المحتلين بحجر, والتقطت الصورة له وهو يرجمهم وبدأت حملة جديدة طالب فيها أساتذة جامعته بطرده. ومن قبل ذلك لاحقه خصومه اليهود ينكرون كونه فلسطينيا مولودا في القدس, وذهب وفد يستقصي تاريخه, ونشرت مجلة “كومنتري” الأدبية اليهودية ملفا بذلك, فزادت هذه المطاردة من ذيوع قضيته. وخالف عرفات وصلحه بشجاعة, وخالف آراء كثير من مثقفي العرب في الموقف من مذابح هتلر لليهود, فهو يصدق حدوثها, ويستنكر قول المنكرين, ويتعاطف مع ضحاياها, وله في المسألة الفلسطينية رأي جريئ حيث يطالب بدولة ديموقراطية واحدة في فلسطين للجميع, تحكمها الأغلبية وترعى حق الأقلية, ويخالف من يقول بدولتين.
موقفه من قضايا المسلمين موقف منصف غالبا, وتغيض مواقفه التيار الوصولي في الثقافة العربية المعاصرة. لأنه كان شديد القسوة على من يسميه بالمثقف الخائن, ويكثر من تكرار استخدام أحد الكتب الفرنسية المثيرة التي كتبت مطولا عن خيانة المثقفين وتبعيتهم, وهنا نلاحظ ذلك الجانب المكروه للوصوليين, وسوطه المرفوع الذي يجلد به ظهورهم, لم يكن يملك ما يخاف عليه, ولم يزده مرضه إلا تخففا وشجاعة, وقد سأله أحد المعلقين عن سر مضاعفة جهده, فأكد خطر معاناته لسرطان الدم, والمصاب بالسرطان لا وقت لديه, كان إذا حل على برنامج تشارلي روز تهاتفنا بالخبر, لأننا سنقضي ساعة من المتعة والفكرة, وبراعة المواجهة, فشجعان العقول قليل. وهو من القلة التي تستطيع أن تكشف حدود الحرية الفكرية في أمريكا, وما أصعب أن ترى حدود الحرية. خسر المسلمون والعرب مدافعا فصيحا, عن قضاياهم, ومهتما بارزا بقضية فلسطين. لقد كان رجلا واحدا ولكنه كان جهازا إعلاميا ثقافيا مؤثرا, أكثر ممن أثرت الدول العربية في التوعية بالمسألة الفلسطينية في الغرب, وكان مطلعا ومتابعا للأحداث ومعلقا فطنا, ومتحدثا آسرا, يفوق أسلوب حديثه أسلوب كتابته. كتبه القديمة والحديثة دائما معروضة في طبعات جديدة, لا ينتهي حولها الجدل, كان صيادا وعارضا للفكرة مجيد, ومبدعا في اعتراضه ومؤثرا, عمقه في أدب الإنجليزية لا يبارى, وأجاد الفرنسية, ثم عاد لبيروت وتمكن من العربية. ولكم وددت أن يجد القارئ العربي كتاب الإستشراق بترجمة عربية جيدة, فإن مترجمه أعجمه, وأضر كمال أبو ديب بكتاباته, ولو قارنت هذه الترجمات مع ترجمات كتب أخرى مثل كتاب “صور المثقف” أو كتاب المقابلة الطويلة معه التي أجراها بارسيمان لرأيت فرق الطريقتين. لقد كان لسان العرب الحر, محاضرا ومحاورا, أما بعد حسم معركته لويس فقد قل من فكّر في مواجهته, ودّع الناس مفكرا ومناضلا ثقافيا لا بديل له, ولا مقارب, وبقيت آثاره مدرسة في النزاهة ومكافحة الظلم, كان يعتقد الشكّ —كما وصف نفسه- ولو كان مسلما لترحمنا عليه.