*
يبدو أن التيار الجهادي بقيادة أسامة ابن لادن والضواهري يؤمن بأن استجلاب الصدام مع الغرب هو الطريق لانتصار المسلمين, وأن إثارة الغرب ودفعه لغزو العالم الاسلامي هو أسرع الطرق لحل مشاكل العالم الاسلامي, وأن هذا الصدام وإن كانت له تكاليفه العاليه على المسلمين في البدايه فإنه كفيل بتفجير طاقة كامنة هائلة لا قبل للغرب بها تنتهي بهزيمة الغرب وانتصار المسلمين, وهنا بعض التساؤلات:
أ- هل توافق على أن هذه هي استراتيجية التيار الجهادي؟
ب- هل تعتقد أن الصدام الشامل من مصلحة المسلمين في النهاية؟
ج- هل يوجد بديل عملي لنظرية الصدام الشامل لم تجربه التيارات الاسلامية وثبت فشله؟
د- هل ترى أن بالامكان تفادي هذا الصدام مع وجود تيار مقابل يهودي-مسيحي قوي النفوذ يؤمن أيضا بأن الصدام الشامل من مصلحته؟.
د. الأحمري : الحقيقة أنني لا أعرف إستراتيجية القاعدة, وقد لا يكون عندهم إستراتيجية أخرى غير الذي يراه العالم منهم, ولا أتوقع أنهم أرادوا لأمريكا أن تأتي إليهم, ولا إلى العالم الإسلامي, وقد يكون مناسبا أن لا نتعمد تركيب وتعقيد البسيط إن كان واضحا وبسيطا. ولست من مؤيدي هذه الأعمال, وقد كتبته في اليوم الأول للحدث في بيان رسمي, ولم يتغير رأيي فيه, ربما يقول القراء لأننا كنا آنذاك تحت النار, وقد كتبت من قبل بحثا وزعته على القريبين منذ نهاية عام 94 وعام 95 عندما بدأت المجموعة الجهادية الليبية عملها ضد القذافي, وقد يستغرب بعضكم ولكن بالله عليك تصور أنك من سكان المدن الليبية, ثم في وسط الليل تعدو مجموعة على بيوت أو على حرس أو على مؤسسة عامة, فتقتل ثم تهرب للجبال ماذا يكون ردك؟ أقول أن السكان لا يملكون إلا مقاومة هؤلاء, ولأنهم غير معروفين لا أشخاصا ولا أهدافا, إن أكثر ممارسة هذه الحركة أضرت بالمسلمين وقدمت مبررات لإرتكاب أبشع الجرائم في حق المسلمين, والفقه هنا هو معرفة شر الشرين؟ فالاحتلال قائم, ولكن مضاعفته إلى تضييق أكثر وقتل ونهب وإفقار صريح وتدمير شر من سابقه.
الصدام الشامل لا أعتقد أن المسلمين مارسوه ولا روجوا له, ولكنه كان قرار خصومهم, وهذا رد بعض المسلمين على القرار. وليس من مصلحتنا أبدا إثارة العداء, ولا توتر العلاقات مع الغرب, ولا مع الشرق, مصلحتنا في استفادة جيدة وجادة من عولمة زماننا, واستخدام قوتنا الأخلاقية والعقدية والروحية والمالية لصناعة عالم أفضل.
البديل الشامل هو الإصلاح الشامل, وهو شعار رفعه الأمريكان للحكومات العربية, وادعته الحكومات العربية وقالت أنها ستفعل, غير أن المحتوى سنختلف عليه, لأن الإصلاح الغربي يعني استصلاح الغربيين للعالم الإسلامي. ومفهوم الإصلاح عند الحكومات العربية أن يخفف الغربيون من نقدهم, ويسكتوا عنهم, كما يسكتون عن تونس وإسرائيل, وأن تحسن صورتهم, وأن يتظاهر الجميع بأنهم يحيون رائعة. وأن تحتفل بهم الدول والإعلام, وتؤمن لهم زيارات للبيت الأبيض وهيلمة:
يبهرون الدنا بزورة روما وعليهم غبار دنيا ثمود
أما نحن في الجانب الإسلامي فلم نملك من الشجاعة ولا من المعرفة ولا الفكرة أن نعطي تصورا للإصلاح في هذه المرحلة. فنحن حائرون نرقع المواقف, ونتخلص من المشكلة بتزجية الوقت وبالحديث في المجالس, وبنقد هنا ومدح هناك. نحن نعلم جميعا أن هذه الزعامات السياسية والفكرية المعترضة والمواجهة في جبال تورا بورا أو جبال الأطلس بلحاج والفقيه والمسعري وبن لادن الترابي والغنوشي، صدام وآل الصباح, نحن جميعا نتاج مرحلة استعمار صريح أو مقنع، وضحايا أزمة الحكومات الفاشلة, والإصلاح المؤجل, والأمية الخانقة, كلنا شركاء في صناعة واستمرار الهزيمة. والمجتمع المشلول, غير أن هناك حقيقة ملاحظة وهي وجود بوادر تجاوز لكثير من ثقافة هذه المرحلة.
* زرت الولايات المتحدة الأمريكية وتنقلت فيها للدعوة أكثر من شهر ونصف .
وقد عجبت من وجود الفكر السلفي الجديد أعني منهج الجامية ، أتباع الشيخ المدخلي .
السؤال :
ألا ترى أن انتشار هذا الفكر بين شباب حديثي الإسلام سبب نكوص مرتقب لأولئك الشباب ؟
كيف استطاع هذا الفكر العجيب من وصول تلك البلاد البعيدة ؟
هل سيكون واجهة سيئة لمنهج أهل السنة مما يبغض الناس في أهل السنة ؟
د. الأحمري : كانت المجموعة التي سميت فيما بعد بالجامية من المجموعات التي أسست التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية, وكانوا من المؤسسين في اللقاء الأول, وداؤهم جاء أكثره لاحقا من الشرق, بسبب من السلفية ومن السنة والجماعة, وقد أفصل ذلك في غير هذا المكان. لقد كان الأولى استخدام كلمة “الإسلام” فقط. ثم نشر الحق تحت هذا المسمى, وبهذا تصنع المسار الصحيح.
ما أشرت له واقع, وبعضه نتاج لأخطاء عديدة, منها استخدام مصطلح أهل السنة وأهل السنة والجماعة, وهذا شعار كان رفعه غير موفق, لا في الغرب ولا في الشرق. فالذي جعلنا نستخدم هذا المصطلح هو انتصار الثورة الإيرانية, فجعلونا ننحاز للزاوية, ونسمي أنفسنا بتسمية “تنم عن فرقة أو طائفة” وهذه التسمية مخالفة صراحة للموقف الشرعي الصحيح, فنحن مسلمون وكفى, ومنهجنا وعقيدتنا الإسلام, وغيرنا من البدع والطوائف عليهم أن يسموا فرقهم, وطوائفهم, نحن الخط العام في الإسلام, وغيرنا عليهم تسمية أنفسهم بما شاءوا.
ثم إن استخدام الاسم تاريخيا غير صحيح. فقد حمل في كل عصر مسمى ومعنى مختلفا.
ومصيبة هذه التسمية والتي عرفتها عن قرب ودراية أثرها السيء جدا, فقد انتجت الخط المنحرف الذي “تزلف بالتسلف” بطرفيه المعروفين:” التسلف للتزلف عند الحكومات ومناصريها, والتزلف السيئ الآخر, وهو التزلف للعامة باقرار ما يرونه, والتزلف للعامة أكثر إفسادا من التزلف للحكام.
وعقدة أخرى لحملة شعار السنة والجماعة, أنهم يهربون من زمانهم, للبحث في لوازم التسمية, فهي تعني صراعا مع الفرق التي عاصرت الإمام أحمد, وإذا لم توجد هذه الفرق فإنهم يبعثونها من قبورها, أو يزعمون بأن المعاصرين هم هم الأوائل.
ولهذا كان موقف من سموا أنفسهم “أهل السنة والجماعة” من الفرق المعاصرة كليلا, وتاريخيا, ولم يخرجوا من صراع الفرق في مطلع وجودها. وكان دور بعضهم إيجاد طائفة تتغزل بابن تيمية, وأحمد, وتستعيد المعارك التاريخية تحقق من خلالها وجودها, وهي لا تفكر في المستقبل, بل تفكر كيف تستعيد بطولات الفرق, وأمجاد الخصومات وتخليد الانتصارات الكلامية. ومخاطر سلوكهم هذا أنهم يحولون الدين إلى دروس في الفرق. وقد يكون من أسباب ذلك كون بعضهم يدرسون في أقسام جامعية يرددون فيها صراعات المدارس الكلامية, مما جعلهم يرون مشروع الإصلاح تخصص في قسم العقيدة, وهوامش تعرف بابن تيمية, وعبقرية تلامذتهم إن استطاعوا إلحاق المعاصرين بما يناسبهم من الفرق السابقة, وإعادة التصنيف لجمع اللاحق بالسابق.
أما الجامية أو المدخلية فلا مستقبل لأفكارهم في أمريكا, لأنه ليس لديهم أفكار تستحق الاهتمام هناك, ولا زعيم يبيعونه أصواتهم, وليس لديهم إمام تلزم طاعته أو الخروج عليه. وستصوغ منهم أمريكا طائفة صوفية صغيرة جدا إن بقوا.
* عانت الشعوب الإسلامية من استغلال الحاكم السياسي للدين وتسخيره لأهوائه وأغراضه حتى ولو جاء ذلك على حساب تحوير أو لي أعناق نصوصه من خلال فقهاء السلاطين
فهل من سبيل لحماية الدين وتنزيهه من أن يكون مطية للحاكم يستعين بها لاستعباد الشعوب واستلابها وحرمانها حقوقها التي كفلها لها خالقها ؟؟
ثم ألا ترون بأن التقاعس عن فعل شيء لتحرير الإسلام من مختطفيه من مثل من أشرت إليهم أعلاه قد يؤل بديننا إلى ما آل إليه الدين المسيحي من هجر ونكوص لمعتنقيه بعد أن وجدوا أن الكنيسة ومن ورائها الحكام هناك قد سخروه لأيذاء الناس واستعبادهم ومسخهم واستغلالهم والتكسب من وراءه والتلاعب بعواطف منتسبيه للوصول لغاياتهم الغير نزيهة ؟؟
د. الأحمري : سؤالك متميز, وقد تفطن علماء المسلمين لهذه القصة مبكرا, فانحازوا للإسلام, وأخذوا الأمة وولاءها معهم, وقفوا رقباء على السلطان, فصانوا أعراضهم من تخوين الناس, ومن تهمة بيع دينهم بثمن بخس دراهم معدودة, لخدمة ظالم, أو عابث, وحققوا انتصار الإسلام بهذه الطريقة عندما انفصل الحكم عن الدين, فرفعوا الدين فوق شهوات الطامعين الذين أرادوه سكرتيرا أو منبرا أو أحد عبيد الحاشية. وقد شق على العلماء موافقة أبي يوسف في عهد هارون على منصب القضاء. وعده بعضهم كسرا للعهد.
وقد ترسخت هذه المسألة, حتى إذا حاول آخرون وجهت لهم سهام لا ترحم, وقد يكون من المناوئين متشددين في موقفهم, غير أن أساس الموقف صحيح.
وهذا تحقق في ابن تيمية فقد انحاز بالعلماء عن خدمة الباطل, أما ابن عبد الوهاب فقد كان الإمام أو صاحب الفكرة والقيادة المحركة, وفي نقاش دار مع الغنوشي قال كلمة جميلة: “ابن باز آخر علماء المسلمين الذين جمعوا بين ثقة الأمة والسلطة” وقد كان رحمه الله مهيبا من الطرفين. وقد ترسخ في ثقافة المسلمين نزع الثقة والشك في واعظ السلطان حتى يثبت بعمله العكس. وقد تكون من دلالات حفظ الله لدينه.
وقصة الفصل بين الدين والدولة في الغرب فقد كانت ضرورية بسبب فساد المسيحية, وتفرقها, والدور الإستغلالي التدميري للكنيسة, وهذا لم يحدث في تاريخ الإسلام, وقصة بيع الجنة وصكوك الغفران حقائق تاريخية, ومارتن لوثر –زعيم المحتجين أو البروتستانت- تمتع بشجاعة نادرة, ورحلة روحية غريبة, وكانت سفرته للفاتيكان من أهم الأسفار أثرا في تاريخ فكره, واطلاعه الجيد على الإسلام بلا شك ساعده في “احتجاجه” –له تعليقات على كتاب يرد على القرآن- , ولتمكنه من الإسلام اتهمه البابا أنذاك بأنه يريد نشر الإسلام “المحمدية” في أوروبا. واتهمه بأنه الدجال الذي يخرج في آخر الزمان, فرد عليه بأنه هو الدجال الموجود حقيقة في روما. وكانت ثورة على فساد الكنيسة, وعلى بيع الجنة, وعلى خرافات البابوية.
أما الحركة العلمانية الغربية فهي نافعة للمجتمع الغربي مادام نصرانيا, وهي أجمع لهم وأبعد عن الفساد إذا قورنت بالكنيسة, والإقطاع. وتوجه أمريكا نحو النصرانية بهذا التطرف سوف يضرها كثيرا ويمزق مستقبلها, ويثير الحروب الدينية في داخلها وفي خارجها, وتثور مشكلة الكاثوليك والبروتستانت, واليهود والمسلمين والنصارى. ومشكلة الأعراق والولايات وهلم جرا.
وهؤلاء الجنوبيون المتشددون في حزام الإنجيل من أرذل الطبقات كما يصفهم ديك موريس , مستشار كلينتون إذ يقول: إنهم متزمتون دينيا ولوطيون!!
* قبل أن أبدأ تساؤلي أحب أن تتكرم مشكوراً أن توضح ما التبس علي من بعض قولك :
1- تقول في معرض نقدك للسلفية : (( ولكن هذا التسلف الحرفي حرم الأمة من التجديد الفكري, وأكد غياب التوجه الأصولي المقاصدي الفقهي )) .
وأنا أسلك أستاذي الكريم : هل كانت الأمة قبل هذه السلفية تعيش تجديداً فكرياً وتوجهاً أصولياً ماقصدياً حتى يتسنى لنا تحميل السلفية تبعة غيابه أو الحيلولة بين الأمة وبينه ؟؟ . وتقول أيضاً ولا زال عن السلفية : وهذا التوجه الحرفي أغرقها في شكل التدين وأبعدها عن روحه, ومعرفة مقاصده.
وأحب أن أسمع رأيك : الذي يرى الناس يعكفون على القبور ويستغيثون بالأولياء من دون الله ويجاهرون بالمعاصي ثم لا ينكر عليهم وإنما يحدثهم عن الشورى والعدل في الإسلام هل عمله هذا تعتبره دلالة على معرفته بمقاصد التدين والتمسك بروحه لا بشكله ؟ وتساؤلي هو : أراك ثائراً على جماعات العمل الإسلامي كلها ، فلا السلفية بجميع أطيافها تعجبك ولا الإخوان ولا المزاوجة بين السلفية والإخوان فما هو العمل الذي ترتضيه للنهوض بالإسلام عملياً ؟؟
د. الأحمري : أولا: استمع لهذه القصة الواقعية: في أمريكا أوصل طالب عراقي زميله للمسجد بسارته ليصلي الجمعة, فقال له العربي الآخر انزل وصل الجمعة معنا مع المسلمين. قال يا أخي الله يغفر ولكن صدام لا يغفر!! فلم يكن الطلاب العراقيون يستطيعون صلاة الجمعة مع المسلمين خوفا من إرهابه, ثم تجدنا آنذاك نتحدث عن الدور الكبير على البوابة الشرقية!! صد الإيرانيين كان مهما, ولكن مصيبته هو كانت أعظم, وما دمنا بلا قرار فلا أقل من كلمة الحق, ولم تقلها التوجهات السلفية وقت الحاجة فضلا عن غيرها.
ثانيا: لا أعرف إن كنت تعلم بعض ما كان يعتمد من مناهج, فهي تعيد موضوع الأسماء والصفات سنين مكررة, وليس في قائمة مناهجها شيء عن حل أي مشكلة تلم بالمجتمع, ولم يكن هناك شيء من الكتب المقررة على شباب الجماعات الإسلامية أو غيرها لنقاش الإستبداد, أو الشرك السياسي؟ أو نقاش المستقبل, وأترك الباقي خوف التطويل.
ثالثا: المثال الذي ذكرته رائع في شرح موقفي في مثل هذه القضية, فالشرك خيانة لله, والاستبداد خيانة للأمة ولدينها, فهذا حق الله وذاك حق عباده, والرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ذم هبل, وحذر منه, أما الجور على الناس ونهب حقوقهم فلم يكتف “ص” بالكلام بل ذهب فاقتص من أحد فراعنة مكة -من أبي جهل- للمظلوم, المسكين وأعاد له حقه. فلم يسكت على فساد اقتصادي ولانتهاك لحق مسلم, وفي هذا الجانب الاجتماعي والإقتصادي بادر بالخطوة الفعلية التالية ونفذها قبل أن يهدم هبل.
إن عمل صدام وأمثاله خيانة للأمة, أشنع من كثير من البدع, فقد انتهك كرامة العراقيين, دينا وأنفسا وأموالا, ثم أسلمها, فهل سكوتنا عن هذا الاستبداد و التأله الفرعوني المدمر, وقصر الكلام على أبواب التوحيد كما نوقشت قديما هو التوحيد والعقيدة؟ أليس من أسس التوحيد مواجهة الوثنية السياسية؟
وأين الضروريات التي جاء الدين لحفظها؟ الدين: وضع نفسه بدلا من الله, الأنفس أو الأرواح أبادها, المال؟ قصته ظاهرة, العقول: ذهبت بذهاب ما سبقها, أما الأعراض فاقرأ الأخبار.
وليس من الحق وضع هذا ضد هذا, العدل أو القبور!! من قال هذا؟ أليس مسيئا لنا جميعا أن نسكت عن كفر صدام لأنه واجه الشيعة؟ ألم يكن العراقيون جميعهم يصطلون نار صدام, والسلفيون خارج العراق يرسلون رسائل التأييد له؟؟
أخي لو فكرت قليلا في طريقة تفكيرنا لغيرت موقفك من بعض القضايا التي لا تخدم الأمة, عقديا ولا سياسيا. ثم إن التصرف لم يكن صادرا عن السلفية, بل كانت غطاء لمصالح مختلفة.
بقي أن تعلم أن الجزيرة العربية ونجد خاصة وثيقة الصلة مكانا وسكانا واقتصادا وفكرا بالعراق أكثر مما يخطر ببالك، وأن من المهم أن تكون تصرفاتنا واعية جدا, ففقدان العراق يعني أشياء كثيرة..
أما أن أكون ثائرا على ما تعودته مني فما يدريك لعل ذلك بادرة خير لنا جميعا, وهذه دائرة نقاش سريعة لا يستكمل فيها عرض كل ما يراه كاتب, ونعم إني قد أرى ما لا يرون.. أما السؤال الأخير من أسئلتك فلا تعليق عليه.
* كيف تقيم السلفية فكرياً وهل التفكير السلفي يحتاج لتغيير آلياته واستراتيجياته ؟ ألا تعتقد أن الوقت قد حان لمراجعة الفكر السلفي لنقده نقداً صادقاً صريحاً لكي يتجاوز الأخطاء ؟ لكم نعجب حين نرى الشيعة يحدثون ثورة وتغييراً لما يرونهم افضل لهم فكرياً بينما لا نجد أي ثورة مشابهة عند السلفية ؟ في رأيك هل يملك السلفيون مشاريع حقيقية للنهوض بالأمة اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً تتجاوز الإنشائيات الطنانة والكلمات الوعظية الخاوية ؟
د. الأحمري : لا شك أن محمد بن عبد الوهاب قاد ثورة سلفية, وأن من نتائج تلك الثورة الكثير من الوعي والحيوية الإسلامية, من شمال الهند إلى جبال أطلس, وإن كانت التوجهات الإحيائية السلفية سبقت وعاصرت محمد بن عبد الوهاب في الجزائر, أو هكذا يؤرخون لأفكار الشيخ الفكون من قسنطينة صاحب كتاب منشور الهداية. ومن بعد بومن أصبحت السلفية حركة واحدة, غلب عليها شعار الوهابية, وإن كان في بعضها تصوف.
ومهمة المنتصرين في أي ثورة إيقاف أي ثورة قادمة.
ولكن السلفية كانت قد أدت دورها, ولن تستطيع بلغتها وفكرها القائم أن تعيد التاريخ, وهي قادرة على حمل بذور لغيرها, أو لتتطور عنها, كما حدث لفكر الإخوان المسلمين فهو نتاج للوهابية والمدرسة الإحيائية الإيرانية, مدرسة جمال الدين الأفغاني, وشيء من التصوف.
الشيء الذي يسبق العمل هو الفكرة, هذا لم يوجد بعد بقوة في المجتمع والثقافة السلفية, والثقافة التغييرية تسبق, وهي ما قال عنه فولتير إنها قادمة ليتني أراها, فقد كان ما يدور من ثقافة يدل عليها وعلى قدومها قطعا, ولكنه مات قبلها, وقد قام في إيران موقف فكري سياسي صريح في مسائل الحكم, مثل إعادة المشروطية إعادة “البرلمان والشورى” وفي عام 1906 تم بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ علماء الشيعة إلجاء الحكومة إلى مرجعية العلماء. ونجحت تلك المجموعة في بث فكرة في الحياة الثقافية, كانت قد سبقت في الدولة العثمانية , بنفس التسمية ثم أحبطها السلطان عبد الحميد.
فبقيت الفكرة تتقد تحت الرماد, ثم جاءت ثورة مصدق, وابتلع الإيرانيون عار إعادة الاحتلال عام 1953م بالثورة التي قادها وأرخ لها كيرمت روزفلت. ولم تكلف سوى مليون دولارا. وهذه الهزيمة للشعب, فتحت باب الجحيم, ونضجت الأفكار المضادة, والتجمعات الوطنية والإسلامية والشيوعية وكلها كان يغلي من عار إلغاء البرلمان.
مصدق فشل, ولكن فكرته إنتصرت, وشاع في الثقافة الإيرانية وضع مواصفات ومشاريع عديدة للاستقلال. كانت ثمرتها الثورة, ومن المهم أن ندرك بعض الفروق المهمة بين السنة والشيعة, أو بين مجتمع السلفية ومجتمع إيران:
أولها: وضوح الإقناع بفكرة دور الشعب ممثلا ببرلمان منتخب في قيادة البلاد.
ثانيا: دور المثقفين الإيرانيين في ترجمة أمهات كتب الفكر ومدارسة لإغناء الثقافة الإيرانية, مما أنتج مثقفين واعين بالفكر المعاصر, لا يهابونه, ولا تصيبهم عقد نقص تجاهه, بل يعرفونه وينتقدونه ويصنعون بدائل له. بعكس المجموعة العلمانية العربية, فهي ضعيفة المعرفة بالفكر الغربي, قد تفهم غالبا مدرسة واحدة, أو بعض مدرسة, فلا تكون قادرة على صنع البديل.
ثالثا: إستقلال العلماء عن خضوعهم للسلطة.
رابعا: التعاون بين الوطنين والإسلاميين واليسار على إنقاذ البلاد.
خامسا: سوء التصرف والظلم البهلوي والضعف.
وقد يكون من المناسب أن نفهم أهمية التكامل العام والتكاتف لإصلاح الأوضاع, فالإصلاح التدريجي خير من الهزات المؤذية, في زمن صعب, وخير من إعطاء الفرصة لأعداء المجتمع, أما الذين يسعود لتجميد الحياة والمجتمع فدورهم كدور من يسبب القلق والفساد. لأن الكبت والتجميد إفساد. وكذا الإضطراب من أجل الإضطراب والفوضى.
والوعظ له دور مهم وباق, وهو محتوى كثير من خطاب الدين, ولا يكفي وحده, وإلا أصبح دروشة وتسلية.
Sep
15
في حوار جريء مع المفكر الإسلامي د. محمد الأحمري (3) : ‘لم يمارس المسلمون الصدام الشامل ولا روجوا له، وإنها هو قرار خصومهم’
15 September 2003 | 0 تعليقات