في حوار جريء مع المفكر الإسلامي د. محمد الأحمري (2) : ‘إن الحكم على فكر أو مذهب لم ترسخ فيه يؤدي لكوارث’
في هذا الحوار ننشر تباعا الإجابات الصريحة البعيدة عن التملق والتزلف والإغراء في التقديرات والحسابات والخوف من الجمهور بغض النظر عن الموقف منها، عن الأسئلة الجريئة التي وُردت إلى المفكر الإسلامي المتألق د.محمد الأحمري من منتدى الوسطية، وهذا هو الجزء الثاني من الحوار:
* هل الأمة تعاني من أزمة في القيادة ؟ أو لنقل هل الرموز الحالية – دون ذكر للأسماء – مؤهلة لقيادة الأمة والخروج بها من النفق المظلم ؟ مع احترامي التام لجميع الرموز الصادقة . الثاني : هل نستطيع أن نقول بلامواربة : إن الواقع الذي نعيشه زحزح كثيراً من الثوابت في ديننا ؟ حتى أصبح الكثير منها ـ عند الدعاة ـ محلاً للجدل والمراء ؟ وإذا كان الجواب بنعم فما هي أسبابه في نظركم وتقديركم ؟ الثالث : ما هو تقييمكم لخلفيات أحداث سبتمبر.د. الأحمري : التجريح الشخصي الذي يعتمده بعض المتعلمين بينهم, ويكيلون السخرية والإنتقاص, هذه عملية هدم مدمرة, وهي تؤثر قطعا في نفس الناقد والمنقود والسامع, ويقول بعض من مؤرخي الفكر والأدب أن رواية سرفانتس “دنكيخوته” الأسبانية التي سخرت كثيرا من فروسية الأسبان كانت من أسباب انهيار الروح العسكرية للأسبان, ووراء سخرية مبطنة من قوة الدولة ومن الفروسية والفرسان, ويضعون هذا العمل الأدبي في قائمة أشنع أنواع الأدب أثرا على الشعب, وهذا الأديب كان عبدا سجينا في الجزائر لمدة خمس سنوات أو نحوها. فليس لمصلحتنا تبادل التحطيم, أو عدم الثقة أو التشكيك إلا فيما يجب هدمه. يوازي هذا الخطأ المبالغة في المدح, والتعلق بعبارات خيالية ومبالغة غير حقيقية, وهذا غش, وأعطيك مثالا مهما في عالم الكتب فالكتب في أمريكا خاصة يكتب على غلاف الكتاب الخلفي تقييم له من قبل جرائد ومجلات تقيم الكتب, وأنا من الذين يحكمون على الكتاب غالبا من تقييم قرائه, وإن كان المقيم معروفا فإن الكتاب يضرب السوق، ويؤثر في الناس. فكتاب مثل كتاب” شركة الحرب المقدسة”، قالت عنه الواشنطن بوست إن كنت تفكر في قراءة كتاب واحد فقط عن تنظيم القاعدة فهذا هو الكتاب. وقد كان كتابا رائعا حقا, أرجو أن يكون قد ترجم. وللأسف عندنا يبالغون في مدح شخص أو قدحه, وكأن الكلام لا قيمة له ولا احترام, ويلحون على التطرف في القدح والمدح, والإنصاف فيه احترام للنفس وللناس, ومساعدة لهم على الصعود, وعلى الفهم, وإذا أعنت غيرك على الوعي أعانك. وبالتالي يمكنك أن تسب البعيد, ولكن هؤلاء أهلك, وليس لك غيرهم, فسددهم وانصح لهم, وإن رأيت منهم خيرا فسدده, وإن رأيت خطأ فسارع بالنصح. وليس هناك مصنع للزعماء والقادة إلا مصنع البناء والتماسك والسماع للقمم بالصعود أعلى وأعلى بحق ومعرفة.أرجو أن تعذرني في موضوع زحزحة الثوابت، لأنني لم اعرف قصدك, وهل الثوابت هنا تعني بها قطعيات؟ أم اجتهادات سابقة؟ أم مجرد أعراف, أما النقاش فهو ظاهرة جيدة, ولكن للأسف هذه المرة أغلبها مفروض من الخارج.وفرضها من الخارج لا يلزم أن يكون سلبيا, فقد نصل لحلول جيدة, ونتطور, ونحصل في مجتمعاتنا على حقوق أكثر. ونبدأ في إنشاء مجتمع أعلى في إنسانيته. لو استطعنا أن نتكلم بحق ثم نقوم بأعمال بعد الكلام. أما أحداث أيلول، فحقيقة أستطيع أن أقول لك تقييما لما حدث في الغرب للمسلمين, ولغير المسلمين إنها كانت كارثة حقا, وأصاب المسلمين رعب مضاعف, وهدمت مؤسسات, وارتد أقوام, وأسلم غيرهم, والسجون مليئة بمن أخذوا بالشبهة, وأضرت بحريات الغربيين من مسلمين وغيرهم, وتراجعت القيم, مثل الحرية والمساواة والديموقراطية.
* بحكم اتصالكم الطويل بالحضارة الغربيّة, إقامة ودراسة واطّلاعاً واسعاً, واطّلاعكم على مسيرة الفكر الإسلامي اليوم:- ألا ترون أنّ ما حاربه الإسلاميّون في الماضي من الأفكار المختلفة, قد بدأ يتسلّل إلى أفكار الكثير منهم اليوم, تم ذلك بشعور أم بغفلة!! وأنّ الفكر الغربي يتسرّب إلى الكثير من أطروحاتهم؟!! وهل اتّصالهم وتأثّرهم بأفكار الغرب علامة صحّية…أم لا؟ – إلى أي مدى تخدم الأمّة هذه الحروب المفتعلة بين طوائفها, وهل حان الوقت ليفهم-مجرّد الفهم-بعضهم بعضاً, بعيداً عن المبالغات وتضخيم أخطاء بعضهم البعض؟ – كيف ترى اتّصال الإسلاميين بمجتمعاتهم, وفهمهم لها ولتركيبتها ؟وألا تؤثّر هذه المعرفة في عطائهم لأمّتهم, سلباً بنقصها وإيجاباً بوجودها؟ – ما الذي تراه في الموقف من الشيعة اليوم في مثل هذه الأحداث التي نعيشها؟ وقد يكون لي أسئلة أخرى, ولشيخنا جزيل الشكر مقدّما ودعواتنا بالتوفيق.د. الأحمري : في الحياة والفكر الغربي سموم ناقعة, استطعت أن أرى بعضها وآثاره في قلبي وعقلي، ولا أحب الشرح أكثر من هذا. وكوننا نعترف بهذا فهو خير لنا وللناس..غير أن هذا القول لا يعني أبدا أن الذين أقاموا في بلاد المسلمين لم يبارحوها, أو عاشوا في جامعات غربية بضع سنين أنهم أنقياء, فهم يعانون أمراضا فتاكة, لا يرونها, والغربي عندما يسخر ويحتقر أحيانا فإنه يملك سلاحا فاتكا من أمية المجتمع المتخلف, وتهافته وقلة كرامة الإنسان فيه. إني لأعجب من أن الذين نزل عليهم: “ولقد كرمنا بني آدم” هم أكثر الشعوب انتهاكا لكرامة أنفسهم، مالك بن نبي ميز بين المجتمعين فقال في الثقافة الغربية أفكار مميتة, وفي ثقافتنا أفكار ميتة. ولهذا فنحن في خطر بين نارين. استقدام الأفكار القاتلة, والحفاظ على الأفكار الميتة. الإتصال بالفكر الغربي أو غيره, كالشرقي في اليابان -إن كان لهم ما يميزهم- مفيد جدا, بشرط أن يتمكن الشخص فيه, ولأن من الغريب أن الفكر الغربي الذي بين أيدينا قد لا يكون فعلا يمثل الفكر الغربي, بل أفكار شاذة وهامشية فيه, وأذكر حادثة طريفة, أنني في معهد اللغة ذكرت أنني قرأت لكولن ويلسون, وكان عندي فاكهة الفكر الغربي, ففي نهاية السبعينات وبداية الثمانينات الميلادية, راجت كتبه, مثل اللا منتمي والمنتمي وسقوط الحضارة الغربية —والناشر هنا كذب على القراء في تحريف عنوان الكتاب, إلخ. فقدمت لهم أنني قرأت لكاتب انجليزي شهير كيت وكيت.. فلم يعرفه أحد من جميع الموجودين ولم يسمعوا به, فأحرجت وخرجت للمكتبة أبحث عن كتبه, فلم أجد له شيئا, ومرت سنين طويلة حتى رأيت له رواية خرافية بعد أكثر من عشر سنين في أمريكا, ثم رأيته مرة في بريطانيا على برنامج تافه يروج لخرافات تافهة. فما هو الفكر الغربي؟ هل هو الذي ترجم لنا؟ أم هو الفكر العملي هناك. الفكر السائد أم الشاذ؟ مثال ذلك أفكار أدونيس فكر الأقلية الشاذة, وما كان ولن يكون “الثقافة العربية” فلو ترجمت أعماله على أنها من أهم نماذج الفكر العربي لكان كذبا على الناس. الشعراوي والعقاد وسيد قطب والقطان وسعيد حوى والبردوني والقصيبي والعودة والحوالي والغنوشي ومحفوظ ومالك بن نبي والسياب وأم كلثوم، يمكن أن نقول لغيرنا أن هؤلاء إن هؤلاء يمثلون الفكر والثقافة العربية المعاصرة، ويمكن أن نضع بينهم شخصا مثل النماذج الشاذة!! مثال آخر: كبار الملاحدة، مثل برتنراند رسل، يعزو فكر الحرية والديموقراطية للمسيحية البروتستانتية, بينما يشيع بين المسلمين عكس ذلك, وأن الإلحاد والعلمانية هما أساس الديموقراطية وحقوق الإنسان. من معرفة طويلة قراءة ورحلة ومعايشة, ودراسة لأقوال كبار مفكريهم أجزم بأن البروتستانتية من أهم أسس حصولهم على كرامتهم, وأن تدينهم الشديد واحتقار ما عدا الإله، ساعدهم كثيرا على نيل كرامتهم. فثقافتهم الشعبية تستحق حديثا أوسع. والشيوعية مثلا, من طريف ما قرأت أبحاث معترضة عليها لأنها تمثل فكرا مسيحيا متزمتا, يدفعه خيالات الجنة وأساطير أنبياء بني إسرائيل في تحقيق الجنة الشيوعية على الأرض, والخلط المتعمد بين العقيدتين النصرانية واليهودية. إن الحكم على فكر أو مذهب لم ترسخ فيه يؤدي لكوارث. الموقف الذي أراه من الشيعة في العراق اليوم إن كان هذا هو السؤال, هو التهدئة, والتعاون على استقرار الأمن, والبعد عن الإستفزاز, وعدم تصديق المهولين والمهوشين, والمتزلفين, فالشيعة نحو من نصف العراق يزيدون أو ينقصون من يربح من إثارة الفتنة؟ إن دعاة الطائفية والصراع يريدون الشر بالسنة في العراق, ويريدون الحاق الأذى بفقراء مساكين لا طعام ولا عمل ولا دولة ولا ثروة ولا استقلال.* من واقع خبرة أستاذنا الفاضل بالمجتمعات الغربية، وبعد عامَين من الحدث (11 سبتمبر)، أرجو من أستاذنا الفاضل أن يُقدم لنا رؤيته حول المستقبل الإسلامي هُناك في ظلّ خلفيّات ذلك الحدَث من خلال واقعٍ مليءٍ بالمتغيّرات …د. الأحمري : في الأشهر الأولى مررنا بيأس وإحباط وخوف, ثم كان تعاطف عدد من النصارى والكنائس والليبراليين يخفف عما حدث, وشعر المسلمون بعودة الهدوء, ولكن الحرب على أفغانستان, ومشروع تأمين إسرائيل وجلب نفط العراق قلب الأمور مرة أخرى, وجاءت السياسة لتوقد الحقد. حتى تستطيع جلب التأييد الشعبي للقرار وللحزب, وسوف تستمر الأمور سيئة على المسلمين غالبا إلى ما بعد الإنتخابات القادمة.وقد كان هناك نقاش قديم منذ عشر سنوات في البحث عن وسائل إستقرار وهيمنة أمريكا والغرب بعدها, فكان الرأي هو أهمية تحديد عدو وبقائه على رأس أولويات التوجيه الفكري في الغرب, وفي لقاء للناتو عام 1992 تقرر تحديد الإسلام عدوا دائما. يحفظ الهوية المسيحية والمصالح القومية لأوروبا وأمريكا. وجاءت أحداث سبتمبر فأنهت النقاش. أما على المستقبل البعيد فإن استطاع الكونجرس والحزب والحكومة والإعلام تكريس الموقف الحالي من الإسلام بأنه هوية وعقيدة لأمريكا مستقبلا, وأنه البديل عن الشيوعية, وأنه العقيدة المناوئة التي تستطيع إبقاء المجتمع الغربي واحدا متماسكا, فلن يكون هناك فرق في موقف الحكام القادمين, وسيحاولون زيادة الضغط على الإسلام, وأهله في كل مكان. أما إن خرج الديموقراطيون من عباءة التزمت, ومن ضغط الصهيونية, وحرروا بلادهم من ثقافة الإرهاب, وتجنبوا الالتزام العقدي ضد الإسلام والمسلمين, ورسم هوية أمريكا بأنها المدافع عن المسيحية وقيم الغرب ضد الإسلام, فإن هناك أمل في تهدئة, وسيادة للعقل, وللأمن, وتخفيف من ثقافة الإرهاب الكنسي والصهيوني التي تبتلع أمريكا هذه الأيام.اعتماد عقيدة الإرهاب والإرهاب المضاد, سوف تضر كثيرا بالطرفين, عاجلا وآجلا, والمسلمون في أمريكا أول الضحايا, وليس من مصلحة المسلمين ولا الأمريكان سيادة هذه العقيدة, وستكون مدمرة لأمريكا لأن دولا وقارات أخرى ستفيد جدا من هذه الحرب ومن الرعب, وتذهب لها الاستثمارات والعلم والقوة والحرية. وستجد أمريكا نفسها وقد فشلت, واتسع بطنها وامتلأ بالمصائب, التي لا تستطيع هضمها, وتمددت ضعيفة منهكة مدينة. لتتفرغ لمشكلات أمريكا الجنوبية وللغزو الأسباني من أمريكا اللاتينية.
* أولا : مارأيك في فكرة ومضمون مؤتمر الحوار الفكري الوطني . وماهي توقعاتك لمحصلة مثل هذا الحوار. ثانيا : هل توافق على قبول المذاهب الأخرى، على الصعيد الرسمي والوطني. وأن يسمح للجميع باستخدام وسائل الإعلام. والإستفادة من مخصصات الدولة أسوة بالمذهب السائد الآن ..؟د. الأحمري : لم يتيسر لي معرفة قصة الحوار الوطني, ولا ما دار فيه, وتعلم أن هناك حاجة كبيرة للبحث في ترسيخ الشرعية الداخلية, بعد انقشاع الشرعية الخارجية, وإثبات أن للناس مكان, وأن هناك حرية للكلام, وهذه استجابة مؤقتة لأزمة, ولا يعني هذا أن نقرأ الجانب السلبي, فكون الحكومة تبحث عن تقدير واحترام وشرعية من الناس, فمن المناسب أن يؤخذ الموقف بجد, إلى أن تتميز المواقف, فإن كان الموقف صادقا من الطرفين فنتائجه ستكون جيدة, أما إن كان الهدف خلاف ذلك فمع الصادق حجته. ويستطيع المسير لخطوات إصلاحية أكثر. أما فقرة المذاهب الأخرى، فهي واسعة, فإن كنت تقصد تحديدا الشيعة, فهؤلاء الأصل فيهم الإسلام, بحسب قول ابن تيمية, ومدرسته, وهو من الأشداء في موقفه من التشيع, وهم من سكان الأوطان, ولو قسمت الموارد وفرص الإعلام على حسب النسبة لربما لم ينالوا فوق ما عندهم الآن.ثم على فرض أنهم أخذوا حق نشر رأيهم في السنة, ألا يصبح للأغلبية حق أن ينشروا رأيهم بمقدار نسبتهم أيضا؟ أي إذا كان له حق شرح رأيه عشر الوقت ألا يملك الآخر الأعشار التسعة الباقية؟ ولكن هذا عبث في نهايته إذ فلسفة أمة تعتمدها الغالبية, وتوجهها يحدده الأكثرية ولا تحرم غيرها. والتقسيم الطائفي بدعة أمريكية ورثتها أمريكا من بريطانيا لفرض فرق تسد, وقد أعلنها صراحة الصهيوني المتعصب مارتن انديك, وأنهم سوف ينفذون في العراق سياسة “فرق تسد” ولأن أمريكا تأبى أن تعطي السود عشر الكونجرس, أو الأسبان الأحد عشر في المائة الباقية, ولا تعطي المسلمين الإثنين في المائة من حقهم. فليس في الكونجرس مسلمون ولا سود ولا أسبان يتناسبون مع العدد, بينما أغلبية ممثلي كاليفورنيا يهود!. في أمريكا مورمن ومسلمون, والعقيدتان تؤمنان بجواز تعدد الزوجات, فأين حقهم في هذا؟ إنه لا يقر ولا يعترف به, وليس لعقيدتهم أو شريعتهم هذه إحترام التنفيذ لأنها تتناقض مع عقيدة الأغلبية؟؟ ومع ما قررته الأغلبية مما سموه حقوق إنسان. هنا تعقيد وفرض الحل الخارجي تدمير, وظلم الناس وحرمانهم شر وسبب للاحتقان والحقد والتعصب, وقد يكون تصرف بعض المتدينين أو الحكوميين يصد هؤلاء عن الإندماج حياتيا وعقديا في المجتمع.


لا ردود, شارك بالرد أو التعقيب
رد على “في حوار جريء مع المفكر الإسلامي د. محمد الأحمري (2) : ‘إن الحكم على فكر أو مذهب لم ترسخ فيه يؤدي لكوارث’”