محمد بن حامد الأحمري

Avatar

حوار جريء مع المفكر الإسلامي د. محمد الأحمري (1) : الحاجة إلى صياغة موقف إسلامي معاصر

في هذا الحوار ننشر تباعا الإجابات الصريحة البعيدة عن التملق والتزلف والإغراء في التقديرات والحسابات والخوف من الجمهور بغض النظر عن الموقف منها، عن الأسئلة الجريئة التي وُردت إلى المفكر الإسلامي المتألق
د.محمد الأحمري من منتدى الوسطية:

* لقد انشغل الكثير من الشباب من متعاطفين ومناوئين للصحوة وحتى أثناء الأزمات الخطيرة بهاجس الانتماءات والجماعات المحلية والعالمية والتجاذب والتنافر…وبحكم ميولك الاستقلالية الشجاعة التي تستشف من كتاباتك الأخيرة تحديدا..هل ممكن تجاوز (التابوا )العرفي ورسم الصورة أو (خارطة الطريق) نحو فهم خارطة الساحة الإسلامية فكريا؟
د. الأحمري : السؤال كبير تصعب الإجابة عليه, لأسباب أهمها أن المؤرخ لا يلامس الحوادث وهي حارة, لأنها سوف تحرق يده, فلا ينصف ولا يبلغ الخبر محايدا لمن أراده, وبهذا يفرقون بين المؤرخ والسياسي, فالتاريخ سياسة همدت, والسياسة تاريخ يغلي, ويعد في مرحلة الطبخ الأولى. ومن حاول فهم السياسة بعين العقائدي كان فهمه ناقصا ومتعسفا، ومن حاول الإندماج في الحدث السياسي القريب وتنكر للتاريخ تفلتت سياسة يومه من بين يده, وليهرب الحاضر للتاريخ . هذه خلاصة لعرض طويل كتبته البارحة بعد تلقي السؤال, عن مرحلة الصياغة للموقف الإسلامي المعاصر, فلما طال تركته ولخصت:
- تكوين الجماعات الإسلامية في المنطقة يعود لمرحلة قبل ومع الوهابية, ثم الحركة الوهابية, ثم حركة جمال الدين الأفغاني, ثم إصلاح محمد عبده ثم رشيد رضا والبنا, وسيد قطب ثم الجماعات التي نثرتها كتابات سيد فقد كان الفصل الواحد من كتاب معالم في الطريق يصنع أحيانا أكثر من جماعة, ثم جاءت السلفية العلمية. ابن باز والألباني, والجامعات الإسلامية, والكتب, وصنعت جوا إسلاميا سلفيا عاما, وقد نشر هذا الأقبال على الإسلام الدين والعودة له, ولكن هذا التسلف الحرفي حرم الأمة من التجديد الفكري, وأكد غياب التوجه الأصولي المقاصدي الفقهي, كالذي كان موجودا أثناء وقبل تأسيس المذاهب الفقهية, ولمع خطر الحرفية النصوصية وكاد يكرر شناعة منهجية المدرسة الشيخية الشيعية في وسط السنة, وبلا شك أن القصد هنا في الأصل كان حسنا, وهذا التوجه الحرفي أغرقها في شكل التدين وأبعدها عن روحه, ومعرفة مقاصده, فكانت أحكام اللحية واللباس أكثر حضورا وأهم من حقوق المسلمين, ومن العدل ومن الشورى, في ثقافة هذه السلفية, وجعلوا الخصومة مع القبوريين والشيعة تتقدم على كل شيء, وضعف تكوينها الفكري والسياسي جعلها سوقا مستهلكة لكل فكر آخر, ولو كان سيد قطب قد تثقف و تربى داخل مدرسة الإخوان أو المدرسة السلفية لما صنع شيئا. ولكان مكتفيا بالتصوف التقليدي أو التصوف السلفي. ثم أنه لم يأت بعده أحد, لأن التاليين “تربوا” داخل محاجر حرمتهم من الوعي, ومن القراءة الجيدة, ومن النقاشات العملية المثمرة, فلم ينتجوا أفكارا ولا مفكرين, وبرز منهم مرددون كثيرون. أما غيرهم فلست متأكدا من خفايا المدرسة الجهادية, وحالتها الفكرية, ولا أرى كتيّب: عبد السلام فرج الفريضة الغائبة كتابا يدل على مفكر بمقدار ما يدل على رغبة عارمة في القتال, فكتب لها “بيانها وقت الحاجة”. أما كتابهم المؤسس المهم “الجامع” فرغم ما من الله له على مؤلفه من علم غزير وسلاسة أسلوب ولكنه يقطر تكفيرا من جوانبه، ولا تحتمله الأمة.
- هذه المجموعات “السلفية الإخوانية” لم تقل شيئا من الفكر بعد سيد قطب, وهي بواقعها الذي نعرفه, ليست ذات قدرة على صناعة فكر لمرحلة قادمة, بل بعضها لم تستطع كتابة بيان عن أحداث سبتمبر لأتباعها لعدة أشهر.
- لم تكن هذه المجموعات قادرة على صياغة مشروع إصلاحي أحسن من محاولة اللجنة الشرعية, أو محاولة السلفية العلمية المستقلة في الكويت, وأعضاء الجماعات الإسلامية في المنطقة لم يسعهم إلا المباركة أو الاندماج أو تقصي الأخبار أو تتبع الأخطاء, ومع وضد.
- ومن أعرفه من ذوي الشجاعة الفكرية, والريادة وحرية الرأي خرج من هذه التوابيت الميتة, ولست أرى في داخلها من يعنى له, ومن يتظاهر بأن عنده شيء فله حق التظاهر, ولكنها قفار خُبرت قبل انتشار الأوهام والهالات و”لم تزد عن أمس حتى أصبعا”.
- خضعت المجموعات الإسلامية لتقسيم مناطقي وقبلي صارم, ولم يرتفع تدينها إلى مستوى تستطيع به تجاوز التقسيم الأسبق.
- ويجتاح الساحة الإسلامية الآن أفكارالسلفية الجهادية, وأفكارهم أكثر تأثيرا من أي تنظيم هذه الأيام, وإن الظروف تصنع لفكرهم جاذبية, فوق طاقتهم على استيعابها أو الإستفادة منها, كما حدث من قبل لغيرهم, حيث كان عدد المقبلين أكثر من عدد المربين, واستطاعت أفكار الجهاديين اليوم أن تمزق كيانات المجموعات التربوية, وتستبد بالجدل والتأثير داخلها, والمجموعات الإسلامية في المنطقة مجموعات إخوانية من حيث الواقع أومن حيث الأصل, وزاد من تأثير الأفكار الجهادية على هذه المجموعات أن حماس في فلسطين جاء أغلبها من الإخوان, وقد حدث سابقا أن تبادل التأثير في داخل فلسطين ذوو التوجهات الجهادية والإخوان. ومجموعة القاعدة ذات بناء أصولي سلفي, فهم يستطيعون اجتياح مجموعات التسلف الإخواني, بفكرهم وإن لم يستطع تنظيمهم, ويحدث في المنطقة ما يشبه هياج السبعينات في مصر, بروز المجموعات الجديدة, بأعداد وحماسة هائلة مع انتقاص للجماعة الأم وما تفرع عنها, وصدامات واتهامات جاهزة, فكما وجد جيل الظواهري فراغا موحشا, زمن الغيبة الإخوانية, فكان لا بد أن يملأه أمثاله, إذ يجد هؤلاء أن الجماعة الأقدم أقل كفاءة, وأوهى فكرة, من أن يحترموها, أو يتبعوها. فيتجهون للجهاد أو منزلة غائمة بين الإسلاميين والليبراليين, وقد كنت في زيارة قبل فترة لمنطقة راسخة الجذور في السلفية فقال لي أحد الأصدقاء هناك أن الشباب المثقف يلتقون على قراءة كتب الجابري!! وهذا موقف متوقع أن يميل الأشب نحو الجهاد, ويميل المترهلون نحو ما يتوقعونه ليبرالية, أو “ليبرالية إسلامية”.
- وما يحدث في فلسطين سوف يحرج الذين لا يرون الجهاد, من شتى المجموعات, ففي العراق اليوم جدل وعمل كما نسمع وتباين من الموقف بين أصحاب التوجه الواحد كالإخوان, وآخرين منهم يرون المواجهة, مثل”تيار …” ومجموعة أخرى ترى الدخول في مجلس بريمر المؤقت “تيار يمثله في المجلس محسن عبد الحميد” ومجموعات سلفية قد تجد فكرة الجهاد هو ما عليه العمل, أو المخرج الوحيد! ويقال أن للسلفية الجهادية “حسب تسمية اليوم” العراقية جذورا سبقت أو عاصرت زمن جهيمان.
- فكر المدرسة الجهادية لن تطيقه الأمة, ولا الشباب المتحمس, وقد ينكسر على صخرة الحصار الأمني والفكري والمالي, ولكنه لم يبلغ في عصر سابق ما بلغ اليوم من الرواج, إلا في عصور غابرة بعيدة, واستطاع أن يصنع ثقة وحيوية وحماسة وأملا, ومهما يكن سطحيا, فليس الناس فلاسفة, والفكرة البسيطة الواضحة هي التي تصنع الموقف, وقد وجد الناس فكر محمد بن عبد الوهاب عمليا, مختصرا بسيطا, ولم يستطع ابن تيمية “العميق” أن يكون له التأثير, ولن يكون له جاذبية جماهيرية.
- والذي يحدث اليوم هو قرب إسلامي عام من فكر المواجهة, و ميول عاطفي من جمهور الجماعة الأقدم –الإخوان- بفروعها نحو الفكرة الجهادية في مواقع عديدة, -أهمها العراق وفلسطين- كما أن هجوم أمريكا الواسع على ما هو “إسلامي” أحرج جميع المعتدلين, والذين يرون في أمريكا أنموذجا للتعايش, أو إمكان التفاهم.
- وإن خبت حماسة الجهاد, كما حدث في مصر, فإن عملية الأسلمة للمجتمعات, وصناعة هوية إسلامية واعية منحازة وواضحة تم انضاجها بطريقة سريعة لم يسبق لها مثيل, في أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها, وكان للإعلام الجديد دور فاق كل وسائل التثقيف الحزبي السابقة.
- ولم يعش المسلمون منذ قرون مرحلة حيوية في فكرهم وتقاربهم ووحدتهم, وزيادة عددهم, وتطور إعلامهم وتحسن معيشتهم كالذي يعيشونه اليوم. مرحلة جديدة سبق الواقع فيها الفكرة, وأخافت أطراف الصراع جميعها. وعند الغربيين شبه ثقة من إمكان كبحها, لا ندري. غير أن المحزن أن الجماهير متقدمة في مبادراتها ووعيها أحيانا على قياداتها السياسية والحزبية والفكرية. وأصبحت القيادات تميل للبحث عن مكان تختفي فيه من الإحراج. – لا أتوقع عودة ذات قيمة للتقسيمات القديمة, لأن حقيقة ما حدث من صحوة في الثلاثين عاما الماضية, كان في مجمله عملا إخوانيا سلفيا تبليغيا تحريريا, وإن لبس لباس الوهابية, أو الإخوان في بعض المناطق, وهو خليط أدى دوره, والمرحلة القادمة تتجه شعبيا للإسلام, والموقف الحكومي والغربي للتخفيف منه, ولكن الإسلاميين يمكنهم إعطاء قوت للقلوب, لا يملكه غيرهم, والمخالفون يعيشون حالة مجاعة فكرية حقيقية, لم يسبق أن مروا بها, فليس لديهم ما يصدرون فكريا، أو يعطوا للحكومات العربية شيئا تنفذه, إلا الخلاعة والتبعية. ولهذا التوجه رفض شعبي شديد في الغرب وفي عالم الإسلام.

  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • NewsVine
  • Print
  • Reddit
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis

لا ردود, شارك بالرد أو التعقيب

رد على “حوار جريء مع المفكر الإسلامي د. محمد الأحمري (1) : الحاجة إلى صياغة موقف إسلامي معاصر”

تجدنا أيضا في