لا تعتذروا أبدا عن قيمكم

22 July 2003 | 0 تعليقات

tony blairاستمعت إلى خطبة بلير “خطبة النصر واحتفاله” في اجتماع مجلسي الكونجرس “النواب والشيوخ” الأمريكيين, هذا المساء, ‏17‏ جمادى الاولى‏، 1424, الموافق ‏18‏ تموز‏ 2003. وهو رابع زعيم بريطاني يحصل على هذا التكريم في أمريكا. وقد حملت الخطبة مجمل الموقف البريطاني الرسمي, وبعض الأمريكي, وشيئا من الخطة المستقبلية للغرب البروتستانتي؛ علاقاته الداخلية وصلته بأوروبا ومناطق العالم الإسلامي.
لم ينس في البداية أن يجذب الانتباه بعدد من النكت, وطرائف الماضي, منها أنه حضي بترحيب لم يتعوده, مشيرا إلى موقف البرلمان البريطاني منه, وأشار إلى قصة إحراق البريطانيين لمكتبة الكونجرس الأمريكي, والتي أحرقها البريطانيون واعتذر بعد طول زمان, وذكر أن الميدالية التي تلقاها والتكريم كان قد أعطي لجورج واشنطن, لأنه طرد البريطانيين من بوسطن!

من المقاطع المهمة إشارته للتهمة التي تروج ضد أمريكا وبريطانيا مثل مسألة الإمبريالية, وقال في الخطبة أن على الغرب ألا يعتذر عن قيمه!! كان يتحدث عن الإمبريالية والديموقراطية والحرية, وذكر أنهم لا يحاربون من أجل المسيحية, وأعاد التذكير بقصة 11 أيلول “سبتمبر”. وهذا اليوم الذي أكد –في أكثر من مناسبة- أنه مهم جدا, وأن تكون قصته على لسان كل سياسي غربي, ولعله يريد أن يبني مجدا من خلال هذه الحادثة, كما اتهمته “كلير شورت” بأنه مهووس بمكانه في التاريخ. والإصرار على التذكير بحادثة نيويورك لم تزل وصيته منذ أيام حرب أفغانستان, لأن حشد الدعاية للحرب مرتبط تماما بهذا الأمر, وأكد سابقا على تكرار صور مباني نيويورك المهدمة على المشاهدين في الغرب, وخاصة أمريكا حتى لا ينسى الناس, لبقاء التأييد ظاهرا ولبناء بطولة له شخصيا في الدفاع, ولكن رجالا مثل منديلا حطموا آماله بتسميته وزير خارجية أمريكا.
ذكر في خطابه أنه سيهب العراقيين حكومة ديموقراطية, ولن يخرجوا من العراق قبل نهاية المهمة!! والمشكلة أن المهمة بنيت على كذب كما يقول العالم كله اليوم. وأشار إلى إن النجاح في السلام أصعب من الانتصار في الحرب –ملمحا إلى المقاومة العراقية-. ثم أعقبه بمؤتمر صحفي مع بوش, وبدا بوش مصرا على قصة صحة المعلومات التجسسية, وأنه كان هناك سلاح يصنع, وأعادا قصة العمل على امتلاك سلاح نووي في بداية التسعينات. وحاول بلير أن يثبت الادعاء بخبر قديم, وهو شراء 270 طنا من اليورانيوم من النيجر, وربما كان في الثمانينات أو قبلها.
ولكن الطريف في خطبة بلير التشديد على أن لا يعتذر الغرب عن قيمه, ولعله يعني الحرية والتقدم للرجل الأبيض, والإمبريالية, والاستعمار والعبودية وفرق تسد, وغزو الشعوب الضعيفة, ودعم الديكتاتوريات, الموالية, ومواجهة الإسلام, ونشر المسيحية, والخلاعة, وتأييد الديموقراطية الشكلية, وتأييد الإرهاب الإسرائيلي, وتأييد سلاحها النووي, كما أنه أشار لدول تعمل على الحصول على السلاح النووي – لعله يقصد إيران- وأشار إلى أن على جميع الدول العربية أن تعترف بإسرائيل!! وأكد أنه لا تنازل عن ضمان أمن إسرائيل!!
فأي ديموقراطية وسيادة يعد بها بلير الدول العربية؟؟ وهو لا يعطيها أي مساحة للخيار ولا للقرار.
خطبة بلير صيغت صياغة مؤثرة ومثيرة, طالب فيها بوحدة الغرب, ضد الإرهاب, وأكد فيها على أن الإسلام دين سلام, وليست حرب الغرب من أجل المسيحية, وحاول أن يبرر بطريقة مباشرة عمله وعمل بوش وأنه لخير الغرب والعالم, وهو يؤكد أن على المعترضين على بقاء أبنائهم في الجبهات ممن هم في ولايات بعيدة عن العراق: أنهم عاشوا في هذا المكان والزمان وهذا التاريخ, وهذا دورهم وقدرهم!! ليبرر ويؤكد بقاء الجنود في العراق, ويعطي دعما لحكومة بوش.
أما بوش الذي كان في المؤتمر الصحفي ضعيفا ومؤسفا في قدرته على الكلام, فبمجرد أن انتهي دور النص المكتوب له, ينكشف ضعف مستواه الذهني والتعبيري عندما يرتجل الكلام.
عندما سمعت بلير يعتذر عما فعلته بريطانيا في أمريكا, قلت وهل يفكر في الإعتذار مستقبلا عن احتلال البلاد العربية؟ بل هل سيأتي اليوم الذي يعتذر فيه عن إحراق البريطانيين للشارقة؟ أو عن دنشواي “في مصر؟” أو يعتذر فيه للفلسطينيين؟ أو هل يأتي يوم تعتذر فيه أمريكا عن كوريا أو الفلبين أو جوانتنمو؟ أو تعتذر عن غزو بلد بسبب البترول أو الكذب؟ إنها قيم لا يجوز أن يعتذروا منها كما يطالب بلير!!
الغرب بحاجة شديدة أن يعتذر عن قيم له, أضرت بالإنسانية, وأن يتوب ويعلن ذلك, لأن الغرب نفسه أصبح يستحي منها علنا. ويلتوي عليها عندما تذكر, حادثة واحدة اعتذر الغرب منها وهي قتل اليهود, لأن هتلر خصمهم الذي فعلا مات ومات نظامه, ولأن أموال اليهود تبيع السياسيين الغربيين وتشتريهم, وتحدد مستقبلهم الرئاسي, ولأنهم يرعبون المسلمين ويرهبونهم, ويقومون للمتطرفين من النصارى بالخدمة القذرة, كالاغتيالات والإرهاب للمسلمين. وقد شملهم بلير في خطبته الاستراتيجية بما يشير أن قيم اليهودية والنصرانية واحدة, أو أنهم جبهة واحدة, وذلك مسعى نجح فيه اليهود منذ فترة وهو الربط بينهم وبين الغرب اليوم.
ليس في قيمنا ولا تاريخنا ما نعتذر عنه لأحد, لأنه ليس فيها شيء من قيم الغرب الكثيرة, لا مذابح لليهود, ولا مذابح للنصارى, كالذي لقيه المسلمون في أوروبا, في الأندلس والبلقان, القيم الغربية منها ما يجب أن تعتذر منها البشرية, وقد أبى بوش أن يعتذر للأفارقة عن العبودية “تلك القيمة الغربية المروعة”.

التعليقات

أضف تعليقا

الاسم (مطلوب)

البريد الإلكتروني (لن يعرض للآخرين) (مطلوب)

الموقع

أطلق العنان لحروفك