تعريف
أن تفكر بحرية بعيدا عن ضغط الحاكم وسطوة الجمهور، فهذا بحد ذاته اختيار جريء، خاصة في مجتمع محكوم بصرامة تراثية موروثة. تابعت أمس حوار الصحافي تركي الدخيل مع المفكر الإسلامي المستقل د.محمد حامد الأحمري، في برنامج إضاءات، الذي يديره الإعلامي تركي الدخيل، وكما عرفته لم يتغير، بل ازدادا رسوخا، شامخا برأيه لا يساوم في استقلاليته، يكره السرداب، شيعيا كان أم سنيا، أوراقه على طاولة الحوار واضحة. أفكاره مثيرة للجدل، وأحيانا مستفزة، أو هكذا يراها البعض، مشكلته بسيطة ومعقدة في آن، حلها ممكن في غير المجتمع السعودي، ولكنها تتطلب صبرا واستماتة وطول نفس، خاصة في مواجهة حراس “الإرث” وحماة “التركة”.
لا يريد أن يقف عند الحدود والمناطق التي رسمها الآخرون، إذ المطلوب أن تغيب عقلك، أو في أحسن الأحوال، أن تفكر بما يشتهي السابقون ووفق ما هو مسطور، وهنا الإشكال، حيث إنه لا يفكر مثلما يفكر الآخرون ولا ينظر إلى القضايا من الزاوية التي أراحت الكثير، وأمَنتهم. يمقت التزلف، ويكره المثقف الجبان، أو “الخائن” بتعبير المفكر الراحل إدوارد سعيد. قد تختلف معه، لكنك لا تغادره إلا وأنت معترف له بسعة اطلاعه وموسوعيته، ولا ينكرها فيه إلا جاحد.
وقد تجاوز المفكر محمد الأحمري عقدة خنوع المثقف وتبعيته وطلبه للسلامة والأمن الفكري, وخالف نهج مثقفي الإسلاميين، الذين سيطر على عقول كثير منهم التحدث والتفكير والنظر والتحليل بالأدوات نفسها، التي ربطوا بها مصيرهم ومستقبلهم الفكري، فكأنك تقرأ لكاتب واحد وتسمع لمتحدث واحد. د. محمد الأحمري يحس بضغط التاريخ، فهو قارئ مستوعب وملم بالأحداث، لكنه بخلاف من سبقوه، يمتلك الإرادة في تجاوز الإرث التاريخي القديم. ويرى في السلطة جهازا لقمع الفرد وقهره اجتماعيا، وأن الجماهير هي التي تصنع الحضور الطاغي له في التفكير والحراك عن طريق إضفاء طابع القدسية عليه. وليس معنى هذا أنه يريد للمثقف ورجل الإصلاح أن يكون “راديكاليا” وإلى الأبد، كما لا يريد له أن يكون العدو الأبدي للسلطة، ولا يرى الأمور من منظور أن هناك سلطة تجنح إلى الطغيان وفرد يجنح إلى المقاومة.
هكذا مفكرنا د. محمد الأحمري، قلق دائما، تأسره الفكرة الحية ويطرب لها، وربما يقضي الأوقات مستمتعا ببريقها وعمقها، متفائل دوما. على خلاف كثير ممن عاصروه وسبقوه، لا يلزمك برأي أو بولاء أو بتبعية، ولا تهمه الألقاب والتصنيفات، ولا يهمه كثيرا صدمة “الجمهور”، وهذا بحد ذاته إضافة جديدة وفريدة للعطاء الفكري والعملي لتيار الإحياء الإسلامي. إن عددا من مثقفينا ومفكرينا سرعان ما يقبع في مكان ثابت ولا يتحرك، لا يغادره إلى مناطق وشعب أخرى، ربما لأنه ألفه، أو لإراحة عقله شيئا ما، أو لأنه يؤثر السكون، أو لعجز فيه وهكذا… أو لأنه، كما يقول د. الأحمري: “كلما تقادم العهد.. ساد التقليد، والترديد، وخاف القدماء من النقد، وهلعوا من التجديد، ووضعوا من عرفهم وعادتهم قيودا لازمة، فكثر الناقدون بحق وبدونه”.
فالمستقبل لا تحدده التفاعلات والمعادلات وحسب، وإنما أيضا القدرة على تجاوز حالة الجمود والخمول، وتحريك الوضع باتجاه إعادة التأسيس. وفي عصر العولمة، ما من بلد له صفة الجزيرة المنقطعة عن العالم، وفي عصر العولمة، يبدو العالم مائعا، يلعب السياق والمزاج والشخصية جميعهم دورا في العلاقات الدولية أكبر مما قد توحي به أدوات التحليل والفهم النمطية. وأدرك د. محمد الأحمري أيضا، أن العواطف تستنزف كل المستقر في الأعماق إذا تأججت، وهذا يعني أنها بحاجة إلى موقف “واضح” وهدف “ممكن”، وهو ما يعمل على صوغه منذ فترة.
لا أدري، لكنه شعور وإحساس، أرى في المفكر المتألق النابغة محمد الأحمري، إصرارا وإلحاحا، كالذي عرفه المثقفون من المفكر الأديب إدوارد سعيد. لما سأله صديق: “إدوارد، لماذا لا تهدأ قليلا، وترتاح قليلا، وأنت على ما أنت عليه، فتقعد عن السفر وقبول الدعوات، والتناثر في العالم، وما أنت بحاجة إلى شيء من هذا كله، فلقد بلغت ما بلغت”، أجاب وكله ثقة بنفسه مفعما بالحيوية: “لا أريد أن أهدأ، سأمضي إلى نهاية الشوط، إلى أن أسقط، أريد أن أفعل كل ما أريد أن أفعله، إذا هدأت، فكأنني أعترف للمرض بالقهر، وما أنا بقادر على ذلك”. لنتوقف قليلا عند عبارة “أريد أن أفعل كل ما أريد أن أفعله”، بالبحث والتفكير والكتابة والمحاضرة والتوسع المعرفي وخوض معترك الصراع..
تمكن إدوارد سعيد من تحقيق كثير مما كان يتمناه، لقد خاض معارك مريرة في مواجهة هيمنة “الإمبريالية” وأكاذيب الصهيونية، رغم أن سرطان الدم كان ينخر كيانه. قد لا تتاح للدكتور الأحمري، على الأقل في المدى القريب، الفرصة للقول والفعل بالزخم الذي أتيح لإدوارد، وإن كان إدوارد منع من الوصول إلى المراكز الأكاديمية والجامعات ووسائل الإعلام الأمريكية، أو بالأحرى قد يحال بينه وبين صناعة التأثير والتوجيه، لاعتبارات ليس هذا أوان ذكرها، إذ لا يتحمل الوضع الداخلي السعودي الرسمي والإسلامي ذكرها الآن، إلا أن د. محمد الأحمري، كما إدوارد، واجه الضغوط لإبعاده من المشهد الثقافي والفكري، فالأول كسر جدار الصمت وتحدث وكتب وحاضر، ضمن ما أتيح له، والثاني، كتب في صحيفة “نيويورك تايمز” دفاعا عن فلسطين، وحاضر في بريطانيا وغيرها من الدول الغربية، وظل “مناضلا” فلسطينيا إلى آخر لحظة في حياته.
إن فكرة حية فاعلة تستحق أن يحشد لها المثقفون والمفكرون الدعم والسند، وأن يفنوا أعمارهم في خدمتها وحمل الغير عليها، وأن يفعلوا كل ما يمكن فعله، وأن لا يهدءوا في سبيل نشرها والتمكين لها في الأنفس والعقول، وانظر ماذا فعلت الفكرة الحية بإدوارد، جعلته يعطيها أغلى أوقاته، ويصارع مرض السرطان حتى لا يثنيه عن الالتزام بما تتطلبه، وأكثر من هذا، كيف يحافظ على استقلالية فكره وموقفه، وأن ينأى بذهنه عن السلطة، وهذا يفرض قدرا من تحمل “وحشة” التهميش وربما المصادرة، لكنها ضريبة حرية التفكير والقول وإرادة الفعل المستقلة (والاستقلالية لا تعني منازعة السلطة أو معاداتها)، غير أنه في الأخير قال ما يريد قوله، وتحدى بفعله أشكال الحظر والمصادرة والتضييق. وهكذا أستاذنا وشيخنا الأحمري، تحمل ما تحمله إدوارد سعيد، وربما أكثر، ولا يزال كما هو، صاحب عقل حر لا وصاية لأحد عليه.
وبالتأكيد، ليس من فكر من خلال إملاءات الحاكم والسلطة أو انحاز إلى مقولاتها وضغطها، وخضع لمنطقها، كمن يفكر وينطلق بعيدا عن أشكال وأنواع التزلف أو الضغوط أو المجاراة، وتجد هذا التمايز والفروق في الأثر والقبول والفعالية. إن قوة التأثير الكامنة في الكلمة والمحاورة قد تتجاوز توقعات صاحبها، وقد أدرك محمد الأحمري كما إدوارد سعيد (وغفل عنه الكثير من مثقفينا ومفكرينا)، أنه لا يقتل الفكرة إلا السكوت عنها أو تمييعها أو خذلانها من الوصول للناس، وكم من حق اغتاله الصامتون، وكم من مظلمة قهرت الناس بسبب سكوت العقول الواعية، إذ إن التنازل عن استقلالية الرأي والموقف في لحظة من لحظات الضعف أو الانفعال أو الصدمة أو التحولات الخاطفة، يلازم لحظة التخبط والاضطراب في إنسانية الإنسان، لأن الصوت الذي قد يعلو أو الفكر الذي يراد له أن يعم ويسود، أو يجبر عليه الناس، ربما لا يكون صحيحا ولا مقبولا.
قد لا يكون للمفكر الموسوعي محمد الأحمري جمهور عريض واسع، وهذا ليس غريبا عن عقلاء العالم، لكنه أثر في الكثير ممن حوله أو جالسه أو سمعه، وبعضهم مؤثرون وفاعلون في أقوامهم ومجتمعاتهم، وتجاوز تأثيره الحدود، وربما في خارج بلده أكثر من داخلها، وأخشى أن لا ندرك قدره وعمقه إلا بعد وفاته، تماما كما استفاق الجزائريون على القيمة الفكرية لأحد أكثر عقولهم هجرانا في بلده وتأثيرا في المشرق، بعد وفاته، وأعني به الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله.
بقلم خالد حسن
مجلة العصر